التصريحات والتسريبات الإسرائيلية الملتوية، حول المفاوضات التي تجريها حكومة أولمرت مع سوريا، عبر تركيا؛ يطغى عليها طابع التعمية، بامتياز. والتعمية، في القاموس الإسرائيلي، تفخيخ وتلغيم. من جهة هي تنطق بلغة تبدو، في الظاهر، ملفتة بصراحتها ومعادلاتها. ومن جهة ثانية ترسل إشارات مبطّنة وتتحدث عن شروط ؛ لا تتفق مع وجود جدّية في توجهها السلمي المزعوم، حيال دمشق.
صحيح أن الغموض والالتباس، جزءان من لعبة التفاوض والمساومة. لكن الصحيح أيضاً، بل الثابت، أن لإسرائيل باعا طويلا في كار التمويه والمراوغة، مع القفز من مسار إلى آخر؛ للهروب من استحقاقات والتزامات. بالنهاية للتهرب من السلام ومتطلباته.
في مثل هذه الحالات، يتكلم لسانها عن شيء فيما تكون عينها على شيء آخر. السوابق لا تحصى. المفاوض الفلسطيني عانى من هذا المكر. وكذلك المفاوض السوري، في الماضي. واليوم يبدو أنها تكرر لعب نفس السيناريو. في البداية، حرص أولمرت على أن يحدث نوعاً من الصدمة؛ وعلى أن تأتي رسالته، من خلال الوسيط التركي، بسيطة، سلمية وعفوية.
كانت أنه «على استعداد لمقايضة الجولان بالسلام»! كلام خطف الاهتمام. خاصة بعد التأكيد الرسمي السوري لوجود مفاوضات. ثم أخذ الموضوع شحنة زخم جديد، عندما كشفت أنقرة عن أن الأمور تسير بشكل واعد. الإشارات الإسرائيلية المكملة، راحت تتوالى.
أبرزها كان أن أولمرت «أعطى تعهدات مسبقة»، وأن احتمالات السلام مع سوريا «أكبر منها على المسار الفلسطيني». كما أن «تطبيق الاتفاقية» مع سوريا، ميسور أكثر منه مع الفلسطينيين. لكن فجأة تغيرت اللهجة و«رجعت حليمة إلى عادتها القديمة»، من خلال الشروط المسبقة: أنه على سوريا أن تقطع مع إيران و«حزب الله» و«حماس»؛ إذا ما كان لأية تسوية معها أن تبصر النور.
سوريا التي كشفت أيضاً عن الموضوع، تقول إنها في صدد «استكشاف النوايا» الإسرائيلية؛ لتعرف ما إذا كانت «صادقة». وهي لا شكّ، في ضوء تجربتها التفاوضية، على دراية كافية تسمح لها بالوقوف على حقيقة ما يريده أولمرت. وفي كل حال، من المقرر أن تستأنف هذه المفاوضات بعد أيام.
وكان من الملفت ان تسارع الوزيرة رايس إلى التذكير بما يفيد بأن المسار الفلسطيني يستحق الأولوية، على أساس أن طبخته قطعت شوطاً لا بأس به. «في الحقيقة هو يراوح مكانه». ويبدو أنها كانت ملاحظة برسم أولمرت تفضح، ضمناً، هروبه إلى الأمام. إذا كان أولمرت ينشد السلام فعلاً، فهذا الأخير له بوابة واحدة تؤدّي إلى كل المسارات معاً. القفز من واحد لآخر، كالعادة، تحايل وثرثرة مفخّخة.
