شريط سريع الحركة يمرر أمامنا سيناريوهات، وجملاً غامضة ومفيدة في اتجاهات متطورة في حل إشكالات سياسية في غاية التعقيد والانغلاق، فقد نجح أول مشروع مصالحة بين اللبنانيين في قطر، وهذا يسجل اعتباراً مهماً تحتاجه الجامعة العربية، مثلما يهم المتداخلين مع القضية اللبنانية، وفتحت المباحثات السلمية الإسرائيلية - السورية سلسلة أخرى لفهم أن ديمومة الصراع أضر بالجميع، وتسبب في الفوضى العارمة، سواء نشاط المنظمات الإرهابية أو من تضرروا منها، الداعم والمكتوي بنيرانها..
وفي اتجاه آخر هناك خطوة إيرانية في تقديم جملة أفكار لملفها النووي، وربما لعبت روسيا دوراً مؤثراً في الضغط على كل الأطراف، وهي خطوة ربما تبعد أشباح الحروب والمقاطعات وما ينتج عنهما من دمار شامل، وحتى القضية الفلسطينية، هناك ما يشبه الجدية في البحث عن أنقاق تفضي إلى ساحة الحوار الأكثر تميزاً من المساومات والطروحات التي غلب عليها دور اللعبة السياسية والقانونية المقرونة بمزايدات تنتهي عند نقطة البداية..
ما الذي يجري؟ هل مصادفة أن تجري هذه الأحداث بسياق واحد وباتجاه متزامن التوقيت، أم أنها جاءت لأن التسويات مجتمعة لها رابط واحد، هو المنطقة التي تُعَدُّ الموقع الاستراتيجي الهزاز والخطير، وصاحبة أكبر احتياطي نفطي وغاز، ثم أنها مصدر توليد وتصدير عناصر الإرهاب، والتي في كل زمن لبروز واختفاء قوى مؤثرة على الصعيد العالمي، تبقى منطقة الارتطام بكل الأحداث المولّدة من الخارج والمتجذرة في الداخل؟
فالعراق الآن من خلال تنامي مآسيه بدأ يتجه لتقوية الدولة المركزية ضد الفئات المتناحرة، وهي خطوة، إذا ما سارت على الاتجاه الصحيح فإنها الضامن للسير بالوحدة الوطنية، والاستقرار إلى الهدف المطلوب، وحتى ما يسمى بالصراع الإيراني - الأمريكي على الرقعة العراقية، لا بد أن ينتهي من خلال تعزيز الجبهة الوطنية، وتفاهم بين شركاء الخلاف والاتفاق..
أما فلسطين، فحتى لو رحلت إلى درجة أو درجتين للخلف، فإنه بدون إنهاء نزاع الفريقين المفتعل، فإنه لا يوجد حل يفرض من الخارج سواء طوعياً أو بالقوة، وبدون تضامن حماس وفتح، وعودتهما إلى موقعهما الطبيعي، فإن مفاوضاتهما مع إسرائيل ستسجل تراجعاً يضر بهما، ويعزز جانب إسرائيل..
لبنان ساحة مفتوحة للمفاجآت، لكن طعم الانتصار على الحقيقة وانعكاساتها على الشارع يفترض أن يكون شعار "لا غالب، ولا مغلوب" يوضع على لائحة التطبيق، وقد أكدنا مراراً من خلال هذه السطور، أنه لا يمكن لفصيل أو فئة ما في أي مجتمع كبرت أم صغرت، أن تهيمن على وطن يوجد فيه نقائض متصادقة مع الجبهة التي تريد احتكار الحق، أو الاستئثار به..
عموماً هل نشهد مرحلة الحلول الأخيرة لكل الصراعات وان تداخل أمريكا وتركيا مع إسرائيل وسورية، وروسيا في الملف الإيراني، والجامعة العربية مع الأزمة اللبنانية، سوف تكون البداية لنشاط حقيقي يزيل تواريخ الاحتقان والحروب، أم أنها حركة مقصودة قد تنفع قيادات راحلة في أمريكا وإسرائيل، ليعود الشريط من جديد بأزمات أخرى أكثر خطراً؟
