في الوقت الذي اشتد فيه الصراع على جمع الثروات واللهاث وراء أي وسيلة من الممكن أن تضاعف دخل الفرد وتوسع مصادره، يبدو أن عدداً من الطامعين والحالمين بتلك الثروات لم يعد فرق لديهم في مصدر المال الذي يجمعونه حتى وان كان المصدر هو «عقوق الوالدين»!.

القصص التي نقرأها عن أبناء عاقين دفعهم العقوق والطمع في أموال آبائهم وأمهاتهم، أصبحت تتزايد على حساب قيم ومبادئ لم نكن نتخيل يوماً أنها ستتغير بسبب حبّ المال. لن نكن نتصور ابناً يسيء معاملة والديه بالكلام أو بالفعل ليستولي على أموالهما، ولم نكن نتصور أن يد أحدهم قد تتجرأ بالضرب لمن ربياه طوال عمره حتى أصبح رجلاً أو امرأة، لكن الباحثين والباحثات الاجتماعيين في مراكز المسنين والعاملين في وزارة الشؤون الاجتماعية، يثبتون من خلال تقارير ناتجة عن زيارات ميدانية أن ما نسمعه وما نقرأه من قصص نقطة في بحر.

العقوق كحالة اجتماعية من الممكن أن تبرز في أي مجتمع غير الإمارات، لكن ذلك يؤذن بتداعي قيم أخرى عندما يوجد من بيننا أفراد لا يعرفون شيئاً عن برّ الوالدين ورحمتهما والإحسان إليهم، هل الثروة أصبحت أيضاً هي المتحكم في علاقتنا وواجباتنا الاجتماعية؟ وأي خير نرتجيه من ابن أو ابنة لوطنهما طالما أنهما لم يحسنا ولم يخلصا مع آبائهما؟ وأي أمانة نتحدث عنها وبيننا موظفون باتوا يستولون على أموال آبائهم ويستغلون ضعفهم وقلة حيلهم لتحقيق مآربهم الخاصة وكأنهم قد اعتبروا الآباء والأمهات محافظ استثمارية تجلب المال؟

عندما نقرأ قصص عقوق الوالدين التي أصبحت تتزايد في الوقت الذي سيطرت فيه المادة على كل شيء في مجتمعنا نشعر بالغضب، بالقهر وبالحزن على حالة أصبح عليها بعض الأفراد في سباقهم المحموم لجمع الثروات كنا وما زلنا نطالب بأقسى العقوبات على من يثبت أنهم يقومون بأي سلوك يؤكد على عقوقهم وسوء معاملتهم لآبائهم، واستغلالهم وابتزازهم، وهذه العقوبات لا تأتي المطالبة بها جزافاً، فإذا كانت العقوبات اليوم تجازي من يعتدي على آخرين بالشتم أو الضرب، فكيف هو الحال بمن يعتدي على والديه، وعلى أموالهما بالإكراه، ألا يعتبر ذلك تعدياً على حقوق إنسانية وأموال عامة؟

وإذا كنا نعتبره كذلك فلماذا نصمت إزاء هذه الممارسات؟ هل ننتظر حتى يحين الوقت الذي تكتظ فيه استراحات المسنين بآباء وأمهات ربوا رجالاً ونساءً نعتقد أنهم عدة الوطن؟ أم أننا ننتظر موت هؤلاء المسنين قهراً أو ظلماً على أيدي أقرب الناس إليهم؟ إذا كان العاقون لا يخافون الله، ولا يتقونه في آبائهم وأمهاتهم، فهل نعتقد أنهم سيخافون الله ويتقونه في وطن يضمهم ويوكل إليهم الكثير من المسؤوليات؟ هذا ما سنجيب عنه في مقال الغد عندما نطالب بمؤسسة لشؤون المسنين!

maysaghadeer@yahoo.com