فيما ينشغل الشيخ ناصر المحمد الصباح بتشكيل الحكومة الجديدة الخامسة والعشرين في تاريخ الكويت الحديث منذ العمل بدستورها في العام 1962، قضت محكمة الاستئناف بحبس النائب محمد هايف المطيري ( مرشح سلفي قبلي جديد ) لمدة شهر في قضية السب والقذف المرفوعة ضده من وزير العدل ووزير الأوقاف والشئون الإسلامية السابق الدكتور عبد الله المعتوق.

وهذه ليست القضية الوحيدة التي تنظر أمام القضاء الكويتي والمتعلقة بنواب مجلس الأمة الذين حالفهم الحظ في الانتخابات الأخيرة التي أجريت يوم السبت الفائت السابع عشر من هذا الشهر، إذ ستطلب النيابة رفع الحصانة عن خمسة عشر نائباً آخر، إما لاشتراكهم في الانتخابات الفرعية وشراء الأصوات، أو (كما هو الحال مع النائبين عدنان عبد الصمد وأحمد لآري) في تأبين مقتل عماد مغنية المسئول العسكري في حزب الله والذي أثار تأبينه جدلاً واسعاً وشداً وجذباً طائفيين قبيل الانتخابات الأخيرة.

وهذه القضايا تبين كم هي الصعوبات التي ستواجه حكومة الشيخ ناصر المحمد في المجلس الذي سيلتئم شمله في أقل من أسبوعين. ولم تكن المشاركة في الانتخابات الأخيرة كثيفة – حسب المقاييس الكويتية - إذ لم تصل إلى السبعين بالمئة ( 2148886 أدلوا بأصواتهم من أصل 361684 ناخباً وناخبة يحق لهم التصويت ).

وكانت الغلبة للإسلاميين من الطائفتين، سواء المنظمين منهم أم المستقلين، فقد زاد السلفيون من وجودهم ليصبحوا خمسة نواب، وكذا الشيعة، وارتفع عدد الإسلاميين المستقلين من 11 في آخر انتخابات إلى 14 نائباً، أما أكبر الخاسرين فكان الإخوان المسلمون الذين خسروا مقعدين ليكون لهم في المجلس الحالي ثلاثة نواب فقط. واستطاعت القوى الوطنية ( التحالف والمنبر ) المحافظة على قوتها (أربعة نواب) ودخل وجهان شابان جديدان يمثلان المنبر الديمقراطي وهما محمد عبد الجادر وصالح الملا.

وهذه الانتخابات كسابقاتها، فقد استخدم فيها المال السياسي عبر شراء الأصوات، وجرت بها انتخابات فرعية، وهي انتخابات عادة ما تجريها القبائل الرئيسية في الدائرة لاختيار مرشحيها. ولأول مرة حاولت السلطة أن تكون حازمة حيال »الفرعيات« و»شراء الأصوات«، إلا أن نتائج الفرز بينت ذلك بصورة جلية خاصة في الدائرة الخامسة ( التي استحوذ فيها مرشحو قبيلتي العوازم والعجمان معظم المقاعد مع اختراق المال السياسي للدائرة).

وأيضاً الدائرة الرابعة ( فرعية قبيلتي الرشايدة والمطران ). وأيضاً في المنطقة الأولى ( ذات الصبغة الطائفية حيث أجرت قبيلة العوازم فرعية لها ). وترى المفوضية العليا لشفافية الانتخابات ( وهي منظمة محلية ) أن 38% من أعضاء المجلس الحالي خاضوا الانتخابات الفرعية!!

ولا بد من الإشارة إلى أن الفرعيات تلك لم تمنع من نجاح مرشحين آخرين من نفس القبائل التي نظمت انتخابات فرعية بين صفوف أفرادها، بل وتصدرهم للدائرة مثل النائب المخضرم ذي الصوت العالي مسلم البراك، وهي أيضاً لم تؤد في بعض الأحيان إلى نجاح معظم أفراد القائمة كما حصل في الدائرة الأولى، حيث نجح مرشح واحد فقط ممن دخلوا في فرعية العوازم وهو يمثل الإخوان المسلمين!! ولعل ذلك من حسنات نظام الدوائر الجديد المقتصر على خمس فقط، إلى جانب امتناع الكثير من المرشحين وبالذات النواب السابقين خوض تلك الانتخابات، إلى جانب محاولات الحكومة منعها.

والفرز الطائفي لم يكن غائباً أيضاً وظهر بوضوح في الدائرة الأولى ذات الكثافة الشيعية، والتي فاق التصويت فيها الثمانين بالمئة، حيث نجح خمسة نواب شيعة أحدهم معمم ( السيد حسين القلاف ) وقد نزل مستقلاً، يقابله نائب سلفي ( الدكتور محمد حسن الكندري ).

وقد شهدت هذه الدائرة عدم التزام كلي بنتائج الانتخابات الفرعية – كما قلنا – وأيضاً تصويتاً غير معتمد في بعض جوانبه على الخلفية الطائفية كما في حالة النائب المخضرم صالح عاشور ( إسلامي شيعي ) أو النائب والوزير السابق الدكتور عبد المحسن المدعج الذي لم يحالفه الحظ وجاء في المرتبة الخامسة عشرة.

ومن أغرب الظواهر المستجدة في هذه الانتخابات أن منطقة الجهراء التاريخية قد »خرجت من المولد بلا حمص« ـــ كما يقال ــ وهذه تحدث لأول مرة في تاريخ الحياة النيابية.

فمنطقة الجهراء التي بها أكثر من ثلاثين ألف صوت لم تحصل على أي من مقاعد مجلس الأمة الخمسين، ولعل السبب في ذلك هي أنها أصبحت جزءاً من الدائرة الرابعة، حيث تم فيها انتخابات فرعية لقبيلتي الرشايدة والمطران اللتين فازتا بثمانية مقاعد فضلاً عن مقعدين آخرين فاز بهما مرشحان من المطران. ولم تفلح القبائل الأخرى بالذات عنزة والظفير التي تسكن الجهراء في الاتفاق وبالتالي تشتت أصواتهما لتخرج الجهراء من الحسبة!!

أما الخاسر الأكبر فكانت المرأة الكويتية التي تمثل 55% ممن يحق لهم التصويت، ومع ذلك فلم تفلح ولا واحدة منهن إلى الوصول للعتبة النيابية!! فمن السبع والعشرين مرشحة، كانت واحدة فقط قريبة إلى حد ما من الفوز وهي مرشحة التحالف الوطني الديمقراطي الدكتورة أسيل العوضي التي نالت المركز الحادي عشر وحصدت 5173 صوتاً. ولعل وجودها ضمن تيار سياسي كان السبب في تفوقها على نظيرتها (26 مرشحة أخرى) اللواتي ترشحن كمستقلات، حيث كان نصيب 17 منهن أقل من مئة صوت من أصوات المقترعين للواحدة!!

الكل يتوقع أن تكون أيام الكويت القادمة ساخنة، بيد أن لا أحد يستطيع التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com