ليس من المبالغة في شيء القول بأن النجاح الذي توج حوار الدوحة بين الاطراف اللبنانية قد اثلج صدور كل المحبين للبنان شعبا ودولة ومجتمعا حيويا، وكل الحريصين ايضا على حاضره ومستقبله، ليس فقط بين العرب، ولكن ايضا على مختلف المستويات الاقليمية والدولية التي يحظى لبنان باهتمام كبير لديها امس واليوم وغدا .

ومع الترحيب باتفاق الاطراف اللبنانية، في الاكثرية والمعارضة في الدوحة امس فانه من الأهمية بمكان الاشارة الى حقيقة الصعوبات والتعقيدات الكثيرة التي تتداخل في الأوضاع والازمة اللبنانية، ليس من عام ونصف العام عندما بدأت الازمة الاخيرة، ولكن الحقيقة انها من سنوات طويلة ومن جانب اطراف عديدة كذلك .

غير انه برغم ذلك الا ان رغبة الاطراف اللبنانية وحرصها جميعها على التوصل الى حلول مرضية لمختلف نقاط الخلاف من ناحية، والجهود الحثيثة والمتواصلة التي بذلتها دولة قطر الشقيقة وأميرها سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي تدخل اكثر من مرة ولساعات طويلة لتذليل العقبات وتجاوز الخلافات وتقريب المواقف.

وهو ما كان له اثره الحاسم والملموس من ناحية ثانية، الى جانب ما قامت به اللجنة الوزارية العربية برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري وعضوية السلطنة ممثلة في معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، وعدد من الدول العربية الاخرى والامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى من ناحية ثالثة، قد تضافرت جميعها معا، وعززها الضغط الشعبي اللبناني والعربي المتمثل في الرغبة والمطالبة العربية واسعة النطاق بضرورة الاتفاق وضرورة وضع حد للازمة التي هددت استقرار لبنان واستقرار ابنائه، لنصل في النهاية الى الهدف المنشود والمتمثل في الاتفاق بين الاكثرية والمعارضة، وخروج لبنان من النفق الذي دخل فيه منذ فترة غير قليلة.

ومع الترحيب بالاتفاق وبالخطوات العملية التي بدأت مختلف الاطراف اللبنانية في اتخاذها لاعادة الاوضاع في بيروت وعلى امتداد لبنان الشقيق الى حالتها الطبيعية وازالة كل مظاهر العصيان المدني والانتشار العسكري وغيره من مظاهر الاحتقان التي خنقت لبنان في الفترة الماضية، بالاضافة الى الاعداد لانتخاب قائد الجيش اللبناني الجنرال ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية والبدء في الاعداد لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فإن لبنان يدخل الان بالفعل الى مرحلة جديدة .

ومن ابرز ملامح هذه المرحلة هو ما اكدت عليه كل الاطراف من تكريس لصيغة لا غالب ولا مغلوب من ناحية، والتأكيد على اهمية وضرورة التعايش المشترك بين كل طوائف وقوى الشعب اللبناني باعتبار ذلك الخيار الوحيد أمامها جميعا .

ومع وضع ذلك كله في الاعتبار، ومع ادراك اهمية استمرار التأييد الشعبي الواسع النطاق للاتفاق الذي تم التوصل اليه في الدوحة وترجمته على نحو امين وقادر على تحقيق وصيانة المصلحة اللبنانية التي تتسع لكل الطوائف والقوى اللبنانية دون استثناء، فانه من المؤكد ان مسؤولية كبيرة تقع على عاتق السياسيين والقادة اللبنانيين، خاصة في هذه الفترة، من اجل تعزيز ثقة الشعب اللبناني فيها وفي قدرتها على حماية مصالحه، وفي صيغة لاغالب ولامغلوب وفي خيار العيش المشترك.

وهو ما يحتاجه لبنان دولة ومجتمعا خاصة في هذه المرحلة مع التأكيد على اهمية وضرورة استعادة الدولة اللبنانية لدورها ومسؤولياتها التي كانت لها وانضواء كل القوى اللبنانية تحت سيادتها ليتمكن الشعب اللبناني بكل طوائفه وقواه من التفرغ لبناء حياته في امن وامان واستقرار بعيدا عن الانشداد في هذا الاتجاه او ذاك، ومن المؤكد ان الطريق الى ذلك هو وضع المصلحة الوطنية اللبنانية في موقع الاولوية لدى كل الاطراف، ولعل القوى الاخرى المعنية بلبنان تترك الفرصة لشعبه ليختار حياته على النحو الذي يريد ودون تدخل خارجي .