في خضم الأحداث الآنية المتتالية التي ما زالت إسرائيل تنجح في اختلاقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة ودول الجوار ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، تشد أجهزة الإعلام انتباه شعوب العالم إلى تفاصيل ثانوية عن عملية اغتيال هنا واقتحام هناك، وفتنة بين الإخوة هنا واقتتال بينهم هناك، لدرجة أن العالم نسي أو يكاد أهم القضايا الاستراتيجية والأساسية التي تشكل محور الصراع العربي-الإسرائيلي، من استيطان واحتلال واغتصاب للأراضي وتوسيع للمستوطنات وغير ذلك من القضايا التي تؤثر على ديموجرافيا المنطقة ومستقبلها بشكل عام.
هذا الأسلوب الإسرائيلي المبرمج والمدروس لخداع الرأي العام العالمي ليس جديدا، لكنه لا يزال أسلوبا ناجحا بكل المقاييس، بسبب سيطرة الصهيونية العالمية على أجهزة الإعلام العالمية من جهة، وعدم قدرة كثير من وسائل الإعلام العربية على الوقوف في وجه أساليب الخداع والتمويه هذه بسبب نقص الخبرة أو التمويل أو الانتشار أو مزيج من هذه الأسباب وغيرها، وجهل بعض وسائل الإعلام العربية الأخرى بأهمية ما تفعله الدعاية الصهيونية وضرورة التصدي لها بنفس الطريقة والأسلوب، وتفضيل البعض الآخر الانسياق وراء القضايا الأكثر إثارة للمشاهد سعيا لتحقيق مكاسب تجارية رخيصة ومحدودة.
ولعل هذا هو أحد الأسباب التي تجعل مناسبات هامة مثل الذكرى الثالثة لإصدار محكمة العدل الدولية قرارا ضد بناء جدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة تمر دون أن تذكرها وسائل الإعلام العربية ولو بخبر صغير. وهاهي الذكرى الثالثة لقرار محكمة العدل الدولية تمر بتجاهل كامل ومعهود للكيان الصهيوني للقرارات الدولية، في الوقت الذي أعلنت فيه السلطات الإسرائيلية عن مخططات لبناء أجزاء جديدة من الجدار في بيت جالا قرب بيت لحم، الأمر الذي يعني مصادرة أراض فلسطينية جديدة ومزيدا من القهر الاقتصادي وتدمير الموارد الطبيعية وفصل الأسر الفلسطينية عن بعضها البعض. هذا الجزء من الجدار، كما يقول الخبراء، سيعزل حوالي 600 هكتار من الأراضي في المنطقة ويمنع الكثير من المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى حقولهم.
إن استمرار إسرائيل في بناء هذا الجدار العنصري يعتبر انتهاكا واضحا للقوانين الدولية وحقوق الإنسان، وهو تصرف تمنعه القوانين التي تنظم ممارسات قوات الاحتلال في زمن الحرب. هذه الحقائق اعترفت بها محكمة العدل الدولية في قرارها الذي صدر في 9 يوليو 2004، والتي جاء في قرارها الصادر بأغلبية 14 إلى 1 أن "بناء الجدار من قبل إسرائيل في المناطق الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، مناقض للقانون الدولي" وعلى إسرائيل أن "توقف بناء الجدار وتفكك البنية الموجودة وتدفع تعويضات عن الخراب الذي سببه بناؤه."
يذكر أن إسرائيل انتهت من بناء 57% من الجدار، الذي يمتد على طول 852 كيلومتراً، وهناك 10% قيد التنفيذ حاليا. وعند الانتهاء منه سيؤدي الجدار إلى ضم 48% من أراضي الضفة الغربية بما في ذلك الأراضي الأكثر خصوبة. كما سيؤدي إلى عزل أكثر من 60000 فلسطيني يعيشون في 42 قرية وبلدة فلسطينية في مناطق عسكرية مغلقة بين الجدار وما يسمى بالخط الأخضر، فيما ستكون 12 قرية يبلغ عدد سكانها أكثر من 31000 محاطة تماما بالجدار.
إن السماح لإسرائيل باستكمال مخططات بناء هذا الجدار ستكون له آثار خطيرة على المدى البعيد على المستوى السياسي والإنساني والاقتصادي والأمني، وقد يمنع قيام أي دولة فلسطينية ذات معنى. لذلك على الفلسطينيين تجاوز خلافاتهم الداخلية والالتفات إلى القضايا الأكثر خطورة، مثل قضية هذا الجرح الحاضر على الأرض والغائب عن يوميات الصراع، وتأجيل البحث عن مراكز قوى في سلطة لا معنى لها بوجود الاحتلال.
