لابد من الاعتراف أن جوهر العلاقات الروسية -الأوروبية يقوم على مدى التفاهم بين الجانبين حول ملفات الطاقة، باعتبار أن روسيا توفر لأوروبا أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز. ما يجعل مصير الصناعة الأوروبية وحياة المواطن الأوروبي مرتبطة بهذا التفاهم الذي مازال يتعثر حتى الآن.

الأوساط الأوروبية مازالت تشعر بالقلق من التوجهات الروسية في تسويق منتجاتها من موارد الطاقة، باعتبار أن موسكو ترفض المصادقة على ميثاق الطاقة الأوروبي وتعتبره يضر بمصالحها الوطنية، ويستهدف الميثاق الأوروبي الذي أقر عام 1991 اجتذاب موارد المستهلكين الأوروبيين الغربيين المالية إلى الصناعة الاستخراجية في البلدان المنتجة للغاز.

ووقعت روسيا هذا الميثاق، ولكنها لم تصادق عليه. وتطالب بأن يخلو الميثاق من مطالبة روسيا بفتح خطوط أنابيبها أمام الأجانب من دون أن تحصل الشركات الروسية على شيء في مقابل ذلك. بل يدعو الكرملين إلى توقيع اتفاقية جديدة لتنظيم العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي في مجال أمن الطاقة.

مازال الاتحاد الأوروبي يواصل محاولاته لتوقيع اتفاقية مع روسيا تلزمها بفتح شبكة أنابيب نقل الطاقة. بينما تحاول روسيا استثمار شبكات نقل الطاقة التابعة لها، وترى أن العقود قصيرة الأمد هي الأكثر واقعية وفائدة للمنتجين، نظراً لارتفاع أسعار الطاقة المتواصل.

وعلى أعتاب مؤتمر الطاقة الدولي السنوي الذي ينعقد في برلين تحت شعار (حوار الطاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي ـ مجال الغاز) أعلن رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين أن روسيا ستواصل تنفيذ التزاماتها المتعلقة بتوريد النفط والغاز أمام المستهلكين بمن فيهم المستهلكون الأوروبيون. وسيكون رد فعلها مناسبا للوضع، خاصة عندما يقوم الشركاء برفع تعريفات ورسوم الترانزيت أو يستولون على صادرات روسيا دون وجه حق، استنادا لحقوق روسيا في مراعاة مصالحها الوطنية.

وأضاف رئيس الحكومة انه تم تشغيل شبكة أنابيب بحر البلطيق بشكل كامل منذ بداية عام 2007. مما أتاح إمكانية توسيع الطاقة التصديرية لروسيا وتلبية الحاجات المتزايدة للشركاء الأجانب. وقد أكد بوتين على أهمية دور روسيا في ضمان امن أوروبا في مجال الطاقة.

ترافقت تصريحات رئيس الحكومة الروسية مع تصريحات أخرى صدرت عن الرئيس البيلاروسى الكسندر لوكاشينكو الذي يعاني من حصار غربي تضيق حلقاته يوما بعد يوم، المح فيها إلى إمكانية قطع إمدادات النفط والغاز الروسيين عن دول الاتحاد الأوروبي إذا قبل الاتحاد الأوروبي اقتراحا أميركيا يدعو إلى فرض حظر تجاري على بيلاروسيا، مشيراً إلى أن نصف الواردات الأوروبية من النفط ومنتجات النفط و30% من الواردات من الغاز تأتي عبر بيلاروسيا.

وقد حاول الاتحاد الأوروبي تطبيق سياسة تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، بهدف تجنب الضغوط السياسية الروسية، إلا أن المشكلة الأساسية التي تواجه أوروبا ومنتجي الطاقة في مناطق وسط آسيا وحوض بحر قزوين يعود لضعف قدرات المنتجين على نقل منتجاتها من الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، مما جعل الشركات الروسية المحتكر الأساسي لعمليات نقل الغاز والطاقة بشكل عام من هذه المناطق إلى أوروبا.

ولابد من الاعتراف أن محاولات الغرب حتى الآن لم تحقق نجاحا يذكر، لأن الغرب يريد أن يأخذ دون مقابل، فهم لا يريدون تقديم الدعم والمساعدات لدول القوقاز ووسط آسيا للنهوض باقتصاداتها المتدهورة، مقابل سيطرتهم على منابع الطاقة وإنما يطالبون هذه الدول أن تخوض صراعها بشكل مستقل، ويقدمون لها دعما كلاميا في بيانات وتصريحات. مقابل السيطرة على ثرواتها.

وهو ما يختلف تماما مع سياسة روسيا في هذا الإقليم، التي كانت ومازالت تعتمد مبدأ التكامل الاقتصادي وتبادل المنفعة. ومما لاشك فيه أن هذه الدول عقب سبعين عاما هي فترة الحقبة السوفيتية، تملك لغة مشتركة وأدوات للتفاهم مع روسيا تفوق ما لديها مع الغرب الذي يرفض مساعدتها. ويعكس هذا الوضع حقيقة معروفة أن محرك الصراعات السياسية في المنطقة هي الطاقة، ومساعي الدول الغربية للسيطرة على منابعها، بهدف الهيمنة على اقتصاديات العالم.

مركز دراسات الطاقة الروسي

albaharm@yahoo.com