اختار الشعب الألماني وهو يواجه إعصار الهولوكوست (محرقة اليهود)، أن يكون عشبة تميل مع رياح الابتزاز النفسي والمادي، فتعامل مع الجريمة التي لم يرتكبها كمجرم، بل ودفع عرقه غرامة لغير أصحاب الحق، بدلا من أن يواجه الطوفان الصهيوني كشجرة صنوبر عتيقة فتقتلع من جذورها، أو أن يفرط في وجوده ومكتسباته وهويته وثقافته، وبهذا القدر من الحكمة والانتماء، بقي الشعب الألماني واقفا على قدميه ليتحول إلى ثاني أو ثالث قوة اقتصادية وتقنية في العالم.

وبإسقاط هذا الذكاء الحضاري على واقع المسلمين، فإنهم لن يجدوا لأنفسهم عذرا يتذرعون به لإلقاء اللائمة دائما وأبدا على ظروف الاضطهاد السياسي والابتزاز العقائدي التي مروا بها من شاكلة هولوكوست الألفية الثالثة أو ما يسمى بأحداث 11 سبتمبر، وجعلها شماعة يعلقون عليها عار انسلاخهم من إسلامهم وعروبتهم ومن هويتهم، وليمارسوا بأيديهم وبملء إرادتهم عملية إحلال يظهر فيه الإسلام من خلال الأسماء والمصطلحات أو من خلال الأشكال والمظاهر، أما الجوهر أو الأصل فيستبدل بشيء آخر تماما.

ومع ذلك فإن الإسلام المستحدث ليس إسلاما مفرغا من الإيمان كإسلام الأعراب الذي لم يقبله الله تعالى بقوله: (.. قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا..) «الآية 14، سورة الحجرات»، وليس إسلاما مزاجيا كإيمان اليهود والنصارى الذي استنكره الله تعالى عليهم بقوله: (..أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض..) «الآية 85، سورة البقرة».

أما هذا الإسلام فيعتنقه «متمسلمون» قد يكونون أفرادا أو مؤسسات أو ربما حكومات، من شاكلة أولئك الذين صفع الله تعالى مراوغتهم وزئبقيتهم بالاستفهام الاستنكاري: (.. قل أأنتم أعلم أم الله) «الآية 140، سورة البقرة»؛ أما ما الذي أوصلهم إلى هذا المآل.

فهو اغترارهم بتطورهم الفكري وتعلقهم بظروفهم السياسية والحضارية حتى صاروا يخافون في الله آلاف اللائمين، ويحتكمون إلى الطواغيت وإلى أهوائهم وشهواتهم، ويسخرون من الإسلام أو يشككون فيه وفي تاريخه ورجاله، وفي المقابل يمجدون أصحاب الأفكار المنحرفة لا دفاعا عنهم بل نكاية في الإسلام.

وبذلك يكونون كمن يدخل غرفة مغلقة في وضح النهار، فيظن أن الشمس قد أفلت، وهكذا هم «المتمسلمون» تقوقعوا في البيئات الفكرية التي فتحوا أعينهم عليها وانبهروا بها، فظنوا بحكم إسلامهم الوراثي والتعبدي أن الإسلام لا يعدو كونه طقوسا فهو مفتقد إلى ما في بيئاتهم من رؤى وتصورات ومفاهيم، ولو كان عندهم مثقال حبة من خردل من الإسلام العلمي والإيماني لعرفوا أن الإسلام عنده ذلك وما هو أكثر منه، فالإسلام لا تتناقض تصوراته ومفاهيمه ولا تفسد ولا تموت، كما تتناقض تصوراتهم ومفاهيمهم وتتعفن وتتجيف.

لقد أصبح معتادا أن تفاجئنا صروف الليالي بعلماء وكتّاب وصحافيين ومقدمي برامج وممثلين ومطربين ورياضيين وطلبة للعلم الشرعي أيضا ويزعمون أنهم يذودون عن الإسلام، أو يقدمونه في صورة يتقبلها الآخر، ولا نعلم كمسلمين من هو هذا الآخر الذي نحرص على تقبّله لأعمالنا إن لم يكن الله وحده.

ولا نعلم أيضا على أي ميزان وزنوا صلاحية أعمالهم للقبول إن لم توزن بكتاب الله وسنّة رسوله، حتى صار الإفتاء الذي ترتعد منه فرائص عمالقة أئمة المسلمين ألعوبة بيد المذيعات والممثلات وكتبة الأعمدة اليومية في الصحف، ناهيك عن المتفيقهين الذين يقبضون ثمن (الفتاوى السلطانية) بجميع أنواع العملات الصعبة.

إنهم «متمسلمون» يعانون من شيزوفرينيا عقائدية تجعلهم يتقافزون برشاقة وفي لمح البصر بين الطاعة والمعصية، أو بين الإفراط والتكلف وبين الرخاوة والتفريط، أو بين الإيمان بالله إلها قاهرا عزيزا، والإيمان به إلها يستدر عطف البشر بسبب عجزه وغفلته وعدم قدرته على مواكبة العصر، إنهم أحيانا مسلمون أو «متمسلمون» سياسيا ولكن دون أن تعنيهم معدلات التطبيق الذي تمارسه حكوماتهم من شعائر الإسلام.

وأحيانا «متمسلمون» ميلادا أو وراثة ولا يعنيهم بكم تتمسك مجتمعاتهم من قيم الإسلام وتعاليمه، أو ما مقدار ما يفقهونه ويطبقونه بأنفسهم من عقائد الإسلام وعباداته وأخلاقه، أو ما يستجلبونه من مستنقعات الشبهات والأهواء مما يزعمونه قيما ثم يرتبون قناعاتهم وسلوكياتهم عليها، وأحيانا هم «متمسلمون» تلقنوا إسلامهم في جامعات الغرب فلا يعون كم من السنّة أو البدعة أو الضلالة حشرت في أدمغتهم؟

وبذلك تتهتك روابطهم بالإسلام بسبب عجزهم عن الانفكاك من رغبتهم العميقة في استنساخ تجارب الغير الحضارية بعسلها وحنظلها. المؤسسات والشركات والهيئات مارست «تمسلمها» بنفس الطريقة، فظهرت أو تحولت مصارف من المصرفة الربوية إلى الإسلامية، ليس لأن الإسلام أنزل بعد تأسيسها، ولكن حسابات الربح والعوائد بدأت تميل إلى كفة المصرفة الإسلامية مع أنها لم تبلغ سن الفطام بعد؛ هذه المؤسسات «المتمسلمة» أخذت بظاهر الإسلام الجميل.

وأخفت وحش «تمسلمها» البشع لتأكل أموال الناس بالباطل من خلال عقود التغرير، ولتستحل العمليات المالية المشبوهة بالحيل الشرعية، ولتتناسى أخلاقيات الإسلام من التسامح والعفو والتيسير على المعسرين، ولتوقع ضحاياها باستغلال أفخاخ الآلة الإعلانية والترويجية لتلتهم أخضرهم ويابسهم في سبيل إخراس أفواه أعضاء مجالس الإدارات والجمعيات العمومية عند مناقشة الميزانيات والتقارير المالية وتوزيعات الأرباح السنوية.

ومع ذلك فهي تستوظف غير المسلمين وغير الناطقين بالعربية من الخبراء والمستشارين والمدراء، فأي تطبيقات وأي حلول إسلامية سيأتي بها هؤلاء الذين لا يعني لهم الإسلام أثناء استدراج المتعاملين إلى خدماتهم أكثر من بضع مصطلحات كـ «إسلامي» و«شريعة» و«مضاربة»، فإذا ولّت ساعات العمل عاد كل منهم إلى طاغوته الذي يخرّ له ساجدا من دون الله.

وعلى هذا المنوال ظهرت شركات التأمين والفنادق والمعاهد والإذاعات والقنوات المتلفزة الفضائية والمواقع الإلكترونية بل والمنظمات الإقليمية، وكلها تزعم تبنّي أحكام الشريعة منهجا للوصول إلى غاياتها، فضاعت خطاها النفاقية بين أغصان غابة الممارسات اللا أخلاقية، وفقدت رؤيتها في أدخنة التنافسية السوداء.

وبنفس المنوال أشهرت حكومات «تمسلمها» وتطبيقها لأحكام الشريعة الإسلامية، أما رحى الواقع فكانت تدور بإسلام لا يتجاوز التصريحات والبلاغات الرسمية والاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية، وأما الثوابت التي تبنى على أساسها الهياكل والمنظومات الحكومية والبناء الاجتماعي فمما تجود به حوانيت الحضارة الغربية.

وأما مواقفها الاستراتيجية ومبادئ العلاقات الدولية التي تربطها بغيرها من الدول والمنظمات الدولية فترسم خطوطها مواثيق المنظمات الدولية، وأما سياستها الداخلية ومساحة ما تمنحه لمواطنيها من الحرية الشخصية، وآلية الحكم وتكوين الجهاز السياسي، وإصدار التشريعات المنظمة لأوجه الحياة في المجتمع، فلا شيء منه من مشكاة الإسلام إلا تلك المصطلحات والرموز والشكليات، أما اللب فله مصدر آخر، قد تلتقي خطوطه أو ربما تتقاطع مع خطوط الإسلام، ولكنها لا تنهمر من نفس الكوثر.

كاتب إماراتي

akhalil@dcigroup.com