لم يكن أحد يتوقع هذا التطور الدرامي الذي شهدته العلاقات المصرية ـ الأميركية، أو يتصور إمكانية أن تأخذ العلاقة الشخصية بين الرئيسين حسني مبارك وجورج بوش هذا النوع من العناد والتجاهل المتبادل.
الذي حدا بالثاني إلى التغيب عن سماع كلمة الأول في جلسة افتتاح منتدى دافوس الذي استضافه منتجع شرم الشيخ المصري يومي الأحد والاثنين الماضيين، فرد مبارك بالخروج من القاعة فور انتهاء كلمته ولم ينتظر الاستماع إلى كلمة الرئيس الأميركي، ثم تغيب عن توديعه في المطار، رغم أنه كان على رأس مستقبليه حين جاء إلى مصر قادما من السعودية.
وعلى مدار العقود الماضية، وتحديدا منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل برعاية أميركية، والقاهرة وواشنطن تحرصان دوما على الحفاظ على حد من العلاقات الثنائية يقوم على التفاهم النسبي والتشاور في بعض الملفات الإقليمية.
علاوة على طلب واشنطن مرارا من القاهرة أن تلعب أدوارا إقليمية محددة، وتؤدي وظائف معينة، وهي المسألة التي تستجيب لها الأخيرة في ما لا يؤثر سلبا على أمنها القومي أو يهدد أمن الدول العربية الشقيقة التي تربطها بمصر علاقات طيبة ومصالح مشتركة.
ورغم أن العلاقات بين البلدين كانت تنزلق أحيانا إلى مساحات من الخلاف وسوء التفاهم الذي كان ينعكس في تخفيض المعونة الأميركية لمصر أو تنظيم حملات إعلامية على السياسة الداخلية المصرية، فإن واشنطن لم تذهب في أي من المرات التي انحدرت فيها علاقاتها بالقاهرة إلى حد القطيعة أو الضغط السافر على النظام الحاكم.
سواء بتأليب معارضين في الداخل أو النيل الجارح من المصالح الإقليمية الحيوية لمصر، وسمحت دوما بمسارات تتحرك بين شد وجذب مع القاهرة، لتصبح الخلافات المتقطعة بين الطرفين مجرد سحابات صيف لا تلبث أن تتبدد وتختفي وتصير تاريخا.
وما جرى في شرم الشيخ بين مبارك وبوش قد لا يخرج عن هذا المستوى من الخلاف، لا سيما أن النظام المصري يبني جزءا مهما من سياسته الخارجية على ما يسميه (صداقة) الولايات المتحدة.
فيما تحتاج الأخيرة إلى مساعدة السلطات المصرية في الكثير من الملفات، لا سيما بعد أن توعكت أميركا في العراق، وثبت لديها أن للقوة حدودا، وأنه ليس بوسعها أن تتحرك في المنطقة العربية طليقة اليد، أو مكتفية بذاتها غير عابئة بمواقف الدول الإقليمية الكبرى، مثل مصر وسوريا والسعودية.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: ما أسباب الخلاف بين مصر وأميركا هذه المرة؟ وهل من الصعوبة أن يتم تجاوز هذه الأسباب أم أنها تضاف إلى كل ما سبق ويمكن عبورها بسهولة ويسر؟ أو يمكن للأيام أن تساعد في تجاوزها؟
إن مبارك احتقن من أمرين أساسيين أقدم على فعلهما بوش، الأول هو قيام الرئيس الأميركي بحض صارم وحازم لنظيره المصري بأن يدخل إصلاحات سياسية على نظامه، عبر إطلاق السجناء السياسيين.
وفي مقدمتهم أيمن نور وصيف مبارك في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وضمان نزاهة الانتخابات والاهتمام بحقوق الإنسان والمجتمع المدني. وبالطبع فإن هذه ليست المرة الأولى التي يطلب فيها بوش هذا من مبارك، لكن الأخير كان يعتقد أن ما أقدم عليه من تعديل المادة 76 من الدستور.
بما سمح بإجراء انتخابات رئاسية بدلا من الاستفتاء، وتوسيع شكلي لبعض صلاحيات رئيس الوزراء والبرلمان، كاف جدا ويلبي مطالب بوش حول الإصلاح السياسي، وهو الذي طالما أكد أن مصر بوسعها أن تقود الإصلاح في العالم العربي.
كما كان مبارك يعتقد أن بوش قد تخلى عن نظريته القديمة التي تربط الإرهاب بالاستبداد، وتستبق الدفاع عن مصالح أميركا بإصلاح الأنظمة العربية الحاكمة.
واعتقاد مبارك هذا استند إلى أن بوش سيكف عن المطالبة بالإصلاح بعد أن ثبت لديه أن الانتخابات النزيهة ستؤدي إلى وصول الإسلاميين إلى السلطة أو اقترابهم منها، مثلما حدث في مصر حين بات الإخوان قوة المعارضة الرئيسية، وفي فلسطين حين فازت حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2005، وفي هذا ما قد يمثل تهديدا للمصالح الأميركية.
ومن هنا فإن عودة بوش إلى الضغط مجددا على مبارك من أجل الإصلاح، قد تعني أن الولايات المتحدة لن تدعم مشروع ترتيب السلطة في مصر، والذي تشير كل الدلائل إلى أن يقوم على إحلال جمال مبارك محل والده في حكم البلاد.
ولما كان النظام المصري في حاجة ماسة إلى هذا الدعم فإن من الطبيعي أن يمتعض مبارك من مطالب بوش الجديدة، خاصة أن القاهرة تدرك تماما عدم جدية واشنطن في إصلاح الأوضاع السياسية في العالم العربي، وتوظيفها هذا الملف لخدمة مصالحها، وعدم اكتراثها بمصالح حكومات دول المنطقة المتعاونة معها، أو الصديقة لها.
أما السبب الثاني فيتعلق بالخطاب الذي ألقاه بوش داخل الكنيست الإسرائيلي، والذي أظهر فيه حقيقة الرابطة الأيديولوجية ذات الإسناد المسيحي المتطرف التي تصله بـ »دولة إسرائيل«. فبوش نسف في خطابه هذا المشروعات العربية، وفي مطلعها المشروع المصري، الذي يقوم على أن حل القضية الفلسطينية يجب أن ينبني على معادلة »دولتين لشعبين«.
فما ذكره بوش عن الوعد التوراتي لإسرائيل يعني بشكل واضح وبما لا جدال فيه، أن الضفة الغربية وقطاع غزة (يهودا والسامرا حسب التسمية العبرانية) جزء من أرض »دولة اليهود«.
ومثل هذا التصور يبين أن واشنطن لم ولن تكون راعيا محايدا لعملية السلام، وأن كل وعود بوش عن قيام دولة فلسطينية مجرد تلاعب بالعرب وكذب عليهم وخديعة لهم، وفي هذا ما يضر بأمن مصر الوطني، التي تبذل من أجل الدفاع عنه جهودا مضنية، بعلم واشنطن ذاتها، للتهدئة بين حماس وإسرائيل، ولرأب الصدع بين حماس وفتح.
لكن هذين السببين لن يؤديا، على الأرجح، إلى دخول العلاقات المصرية ـ الأميركية إلى نفق مظلم أو مرورها بحالة من الجفاء الصارم، لا سيما أنه لم يبق أمام بوش سوى سبعة أشهر ويغادر البيت الأبيض، ليبقى ما جرى في شرم الشيخ مجرد مناكفات سرعان ما تخمد، حين يبحث النظام المصري والإدارة الأميركية عن المصالح المتبادلة، وما أكثرها.
كاتب وباحث مصري
