من فلسطين إلى العراق، ومن لبنان إلى سوريا، ومن الصومال إلى السودان، تستمر الحرب الصهيوأميركية المعلنة والمستترة على رقعة الشطرنج العربية، تحت مظلة الغفلة وارتباك الأولويات والانقسام العربي في مواجهة أخطارها الاستراتيجية على الأمن القومي العربي كله.
فخطير مع الانشغال العربي بالملف اللبناني ما يجري الآن في السودان العربي الذي يتعرض لاستهداف عدواني غربي، ولمؤامرة استعمارية أخطبوطية متعددة الأوجه والأذرع والعناوين السياسية والطائفية والعرقية، بهدف تقسيم وحدته الوطنية ومحاولة عزله ومحاصرته دوليا عقابا له على مواقفه المبدئية العربية والأفريقية والإسلامية في الأمس أو اليوم، كجزء من الحرب الصهيوأميركية المعلنة ضد الأمة العربية والإسلامية.
فلا يجب أن ننسى أن السودان العربي يدفع الآن فاتورة مؤجلة الدفع لمواقفه العربية القوية، وأن الخرطوم عاصمته المثلثة التي كانت هدفا للهجوم الغربي الفاشل، كانت عاصمة الصمود والتضامن العربي بلاءاتها الثلاثة بعد هزيمة العرب في 67 بما مهد لانتصار العرب في 73..
وبالتالي لا يجب أن تتخلى الدول العربية عن واجبها المطلوب لحماية ودعم أمن السودان من المؤامرات الغربية السوداء التي لا تستهدفه إلا لتستهدف مصر، ولا تستهدف مصر إلا لاستهداف العرب، ولا تستهدف العرب إلا لاستهداف المسلمين. خطير ما جرى في الأيام الأخيرة بصورة فجائية من تفجيرات تبادلية على رقعة الشطرنج السودانية.
سواء تلك المغامرة العدوانية المسلحة الفاشلة من جانب الميليشيات الفصائلية الغربية الرافضة لاتفاقية «أبوجا» للسلام في دارفور، على مدينة «أم درمان» إحدى أضلاع العاصمة المثلثة، ليس فقط لمنع سلام دارفور بل لتعميم الفتنة على السودان، تلك المغامرة الدامية المحكوم عليها بالإدانة سودانيا وعربيا ودوليا.
أو الأخطر منها في مدينة «أبيي» من هذه الاشتباكات الدامية بين الميليشيات والجيش، والقاتلة للسلام بين الشريكين الشمالي والجنوبي، ليس فقط بهدف منع حل النزاع حول وضع المدينة محل التفاوض بين الخرطوم و«جوبا»، ولكن في محاولة لإفشال اتفاقية «نيفاشا» للسلام، استمرارا لحرب الإرباك والإنهاك والاستنزاف والإضعاف، بهدف التقسيم عبر إشعال الحرب الأهلية لضرب الوحدة السودانية.
والأخطر من كل ذلك أن ما يجري من اختلاق للمشاكل والأزمات على رقعة الشطرنج السودانية سواء بالنزاعات السياسية أو بالاشتباكات العسكرية، هو نموذج مماثل لما يجري على رقعة الشطرنج في الساحات العراقية واللبنانية والصومالية والجزائرية واليمنية، والبقية تأتي.
وهو أيضاً نموذج مصغر لما يجري ويراد أن يجري على رقعة الشطرنج العربية، وهو أحد أشكال «الحرب الطويلة وعلى مراحل على البلاد العربية والإسلامية» التي بشر بها الرئيس الأميركي بوش علنا بعد غزو أفغانستان «لفرض الإذعان والاستسلام» على العرب والمسلمين لصالح إسرائيل.
وكلها محاولات تقسيمية جديدة لإعادة رسم الخرائط لسبعة من هذه البلاد كهدف صهيوني في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير الصهيوني الأميركي، بإعادة التكوين بالفك والتركيب على أسس عنصرية وطائفية ومذهبية، إدراكا أن مزيدا من التفتيت لهذه الدول يساوي مزيدا من ضعف المناعة والمقاومة، مما يعني مزيدا من القوة لأصحاب المشروع ومزيدا من القابلية للتبعية والخضوع للسياسات الشريرة، على حساب المبادئ والمصالح الوطنية والقومية..
فماذا أنتم فاعلون أيها العرب والمسلمون؟!