اللحظة الراهنة، في المنطقة، تبدو لحظة تهدئة. رياحها لفحت معظم الساحات المشتعلة. أو المرشحة للاشتعال. والملفت هو التزامن في هبوب هذه الموجة. وكأن هناك ناظماً تقاطعت خيوطه وحساباته عند الحاجة لكبح حالات الاندفاع والتراجع قليلاً إلى الوراء. أو على الأقل لالتقاط الأنفاس.

ارتفاع منسوب الضغوط المختلفة، فرض أخذ استراحة. لكن الملفت أن الساحة السودانية، شذّت عن هذا الهدوء، ولو المشوب بالحذر. لم تبق فقط خارج دائرة هذه الريح والتي هي بأمس الحاجة إليها، بل كان نصيبها عواصف هادرة هبّت عليها من كل صوب وفي آن واحد.

وكلها من العيار الذي يختزن مخاطر توسيع أو إعادة فتح جروح، وتجديد حروب أهلية كان الاعتقاد أن صفحتها ربما تكون قد طويت، أو في طريقها للمعالجة التي تكفل طي سيرتها. فجأة انفجر نزاع دارفور في أم درمان. وما أن جرى إخماد نيرانه حتى التهبت في أبيي. وفي الحالتين كانت المعارك من الحجم المقلق. أعقبها هدوء هش ومفتوح على المجهول.

دارفور خرج صراعها المسلح إلى ما وراء تخومها. كاد أن يصل إلى العاصمة الخرطوم. أضاف هذا التطور إلى المشكلة المزيد من عوامل التصعيد والتفجير. توسيع رقعة نزاعها، من شأنه التخريب على المحاولات الجارية منذ فترة، لإحلال السلام في ربوع هذا الجزء من السودان، التطورات هذه صبّت الزيت على النار.

نقلت الأزمة من الاستعصاء على الحل إلى مفاقمة تعقيداتها. وحتى يكتمل المشهد، اندلع القتال بضراوة ومن دون مقدمات تبرّره، في منطقة ابيي المتنازع عليها، بين الشمال والجنوب. الأعنف منذ توقيع اتفاقية نيفاشا عام 2005 بين الحكومة و«الجيش الشعبي» الجنوبي.

ضراوة المعارك، والتدمير التي أدّت إلى سقوط عشرات القتلى من الجانبين، وإلى نزوح ما يقارب من خمسين ألفاً من سكان المدينة التي تعرضت للقصف العنيف؛ هدّدت الاتفاقية جدّياً؛ ولاول مرة. نيفاشا أبقى أبيي معلقة. غناها النفطي وموقعها على الحدود بين الشمال والجنوب؛ حكما عليها بهذه الوضعية. لكن الانفجار هذه المرة يأخذ أبعاداً أكثر خطورة. فهو يأتي في ظلّ اتفاق يعطي الجنوب حق الانفصال، إذا ما شاء ذلك،؛ بعد ست سنوات من نيفاشا. أي بعد ثلاث سنوات، من اليوم.

مشكلات السودان المزمنة والمترابطة، امتدت في الزمن وكبرت فاتورتها، إلى ما فوق الاحتمال. كل القرارات الإفريقية والدولية، لم تكن كافية لوقف النزف. وحده الحوار المباشر، مع الاستعداد للالتزام، يمكنه طي هذه المشكلات بصورة نهائية. وحريّ بالسودان بعد هذه التجربة، ولوج هذا السبيل، والاستفادة من مناخات التهدئة في المنطقة، قبل أن ينقضي موسمها وتتلاشى رياحها.