تزامن الاعلان عن نجاح الحوار الوطني اللبناني في الدوحة باستئناف المفاوضات السورية ـ الاسرائيليية بصورة غير مباشرة بواسطة تركيا ، ما يعني بصريح العبارة ان مناخات المنطقة توحي بالانتقال من حالة الانفجار الى الانفراج ، ومن مرمى النيران الى مربع الحوار.
حالة الانفراج هذه التي بدأت ترتسم مؤشراتها في الافق جاءت بعد استعصاء كاد ان يؤدي الى حرائق تشعل المنطقة من اقصاها الى اقصاها.. ما يوحي بأن الاطراف الاقليمية والدولية المؤثرة قد وصلت الى قناعات بضرورة التهدئة ، وتغليب لغة المنطق والعقل والبعد عن الاحتكام الى لغة الرصاص والمدافع بعد ان ثبت أن الاعتماد على القوة وحدها لن يحقق امنا ولا سلاما ولا استقرارا ، وما جرى ويجري في العراق وافغانستان ولبنان وفلسطين شواهد علي فشل هذه السياسة التي لا تعترف بالاخر.
وفي هذا السياق فلا بد من التأكيد على اهمية اتفاق الدوحة بين الاطراف اللبنانية ، والذي يؤسس لمرحلة جديدة تعزز الوفاق الوطني ، وترسخ السلم الاهلي والامان والاستقرار السياسي للبلد الشقيق ، ومن ناحية اخرى فان هذا الحدث أعاد الاعتبار للعمل العربي المشترك ، واكد ان الجامعة العربية لا تزال قادرة على القيام بدورها ولا تزال قادرة على اطفاء الحرائق المشتعلة ، واعادة اللحمة للصف العربي ، وخاصة في هذا الظرف الخطير ، مما يحتم علينا المطالبة بتشكيل لجنة عربية على غرار اللجنة التي تولت حوار الدوحة تعمل على انهاء الخلافات الحادة بين الاشقاء في السودان وبين فتح وحماس ، بعد ان وصلت الى طريق مسدود ، وتوحيد الصف الفلسطيني ، الذي يتعرض لأشرس عملية اقتلاع من ارضه ، بعد ا ن اثبتت ان المستفيد من هذه الخلافات هي اسرائيل ، وان وحدة الشعب الفلسطيني هي الوحيدة القادرة على الصمود امام المشروع الاسرائيلي.
ان اتفاق الدوحة الذي رحب به الاردن والدول العربية هو اتفاق متوازن يؤسس لحل نهائي ، ويضع حدا لحالة الاحتقان ، وينزع فتيل الانفجار ، فقد ثبت للمتحاورين ان لا بديل عن الحوار ، وان التهديد بالقوة لا يصنع سلاما ولا استقرارا بل يجعل من لبنان ساحة صراع للارادات الخارجية وان لا مناص من العودة الى شرعية التعايش السلمي التي حكمت لبنان منذ استقلاله والى اليوم ، حيث ثبت انها الصيغة الوحيدة القادرة على حماية وحدة لبنان ، وعلى تجذير الديمقراطية والتعددية.
وفي هذا السياق فان نجاح هذا الاتفاق والذي يعود لاسباب كثيرة ذكرنا بعضها ومنها ايضا مروحة العلاقات القطرية الاقليمية الدولية الواسعة ، والتي سمحت لها بتوظيف هذه العلاقات لانجاح الحوار ، اضافة الى قناعة المسؤولين اللبنانيين والتي تعمقت بعد الحرب الاهلية الطاحنة ، وفي ضوء الازمة الحالية التي مضى عليها عشرون شهرا ، وأدت الى تراجع الاقتصاد ، وتدهور مستوى معيشة المواطنين وكادت ان تؤدي الى انفجار يهز المنطقة باسرها ، ما تحتم عليهم جميعا النزول من اعلى الشجرة ، والعودة الى الصيغة المتعارف عليها ، لا غالب ولا مغلوب. والانضواء جميعا تحت العلم اللبناني كحل وحيد لانقاذ لبنان واللبنانيين من المأزق الذي وصلوا اليه ، والعودة بالوطن الى مناخات العيش المشترك.
