نجح اجتماع الدوحة في حل الخصومات اللبنانية، لكن هل يصمد في بيروت وباقي المدن، وتزول مظاهر الاعتصام ليتبعها مسلسل آخر يهدف للسلام الاجتماعي؟، ولعل المعالجات السياسية الداخلية قد تداوي بعض الجروح، لكنها لا تستطيع إعطاء الثقة للسائح والمستثمر إذا ما شعرا أن لبنان يرقد على برميل بارود قابل للانفجار في أية لحظة، وحتى لا نقع في خلط ما هو سياسي متمازج بين الداخل والخارج، فإن الأزمة لا تزال تجدد نفسها عند أي طارئ، وما أكثر المفاجآت التي تفرزها الحالة اللبنانية التي ظلت حاضرة على الأرض، ومتفجرة في الذهن..
كل عربي، أو أي إنسان يتعاطف مع لبنان، يفرحه أن تنفرج الأزمة، لكن لا تزال للزلازل توابع، وهذا لا يعني التشاؤم من الاتفاق الذي أنضجته أسباب الملل والتعب لكل الأطراف، ولكن أن يتجدد وفق سيناريوهات غير متوقعة، وما يهم الجميع هو أن ينتهي الخلط بين ما هو وطني، وتدخل خارجي ليتم تصدير الاتهامات والتخوين لجهات عربية أو دولية حاولت، وجازفت بمواقفها الهادفة لإخراج لبنان من دوائر الضغوط وإعادة الوطن إلى أهله غير مستلب، أو تبعيّ لأي جهة، ولعل الذين صنّفوه "فينيقياً" أو "متوسطياً" ينتمي للثقافة الغربية، أو الذين جيّروه في حساب دول أو جبهات، هم من أدرك أن اللعبة في المضمار الخارجي، جاءت بدون حكَم أو قائد فريق يعزز وحدة لبنان ويضعه في اتجاهه الصحيح، وبالتالي لا بد من الخروج من دوائر الوهم المعقدة..
فلبنان عربي الثقافة والانتماء، متعدد الأديان والمذاهب، وهو حلقة في الجغرافيا القومية، ويصنّف بأنه أوجد مفهوم الحرية من خلال الممارسة والفعل، لكنه ناقضها في صياغة الأهداف وثباتها، واللبناني، الذي هو بطبيعته، خلاّق، وقادر على التعالي على الجراح، لا نفهم كيف يبني وطنه ويقوم بتدميره، وهي خاصية تكررت بعدة عصور ومناسبات، وهو الآن يمر بمرحلة الاختبار الأصعب في جعل بيئة الوطن جاذبة، لا طاردة..
لقد استطاع القادة اللبنانيون في الدوحة أن يتكاشفوا ويتصارحو، لكن هذا لا يكفي إذا لم يتحول الرابط إلى عقد وطني ملزم للجميع، وكل الذين عاشوا تجارب عربية مماثلة، يؤمنون باستنساخ الحالة اللبنانية، وإدراجها بذات الأزمات العربية، والصيف القادم هو معيار النجاح والفشل، وخاصة للمواطن المهاجر الذي يسعى للعودة والعمل، أو السائح العربي الذي تطرده المخاوف والهواجس من أي طارئ، وحتى يقيم اللبنانيون علاقة ودّ مع الوطن، فإنه لا تكفي المعانقات والمصافحات إذا لم يكن الولاء للوطن، مقترناً بالنتائج، وليس بالأسباب العابرة..
نبارك للبنانيين عقلانيتهم، وتجاوزهم الأزمات، لكننا مع المباركة ننظر إلى الموقف بخوف، لأن العواصف قد تتأجل، ولكنها قد تقوم بضربتها، ولبنان يحتاج للثقة بين قادته ليشيع التفاؤل عند المواطن. وقبل كل شيء أن تقترن الاتفاقات بالعمل، وتبقى الكفاءة معيار شغل المناصب، ويكون الحياد الإجباري تجاه من هو الوطني، والدخيل خارج مفهوم تلك التقسيمات..
