من الأمور الملفتة للنظر الآن ازدياد معدلات تدخين الشيشة بين النساء من كافة الأعمار والمراحل العمرية والشرائح الاجتماعية المختلفة، لدرجة أن بعض المقاهي تخصص يوما لتدخين السيدات للشيشة بالمجان. كما أن تدخين الشيشة بين السيدات لا يرتبط برداء معين ومظهر معين، فالمحجبات يدخن أيضا مثلهن مثل اللاتي يرتدين أزياء عصرية.
ورغم أن الثقافة العربية عموما تستهجن المرأة المدخنة، فإن الحال قد انتقل الآن من تدخين السجائر إلى تدخين الشيشة وعلى الملأ، وعلينا أن نتصور مقهى يمتلئ بالنساء من أجل تدخين الشيشة، كما أن علينا أن نتصور اللغة التي تستخدمها المرأة في التعامل مع عامل المقهى المنوط به ضبط الشيشة وتغييرها أو إضافة بعض الفحم إليها إلى غيره من أشكال اللغات المستخدمة في المقاهي والكافيتريات.
وهو الأمر الذي نقل تدخين الشيشة من مستواها الشعبي العادي البسيط المرتبط تاريخيا بشريحة اجتماعية معينة إلى مستواها المرتبط بالثراء؛ فقد أصبح وجودها لازمة من لوازم المقاهي إضافة إلى الفنادق الفاخرة.
فالمشروعات التجارية الخاصة لديها حس قوي تجاه ما يريده المستهلك، وهو الأمر الذي يفسر شيوع تدخين الشيشة بمثل هذه المستويات في معظم، إن لم يكن كل، المقاهي والمطاعم والكافيتريات.
وإذا كنا نتحدث عن التلاقح الثقافي بين الشعوب فإن الأمر الذي لا مراء فيه أن العرب قد نجحوا في نقل تدخين الشيشة للجنسيات الأخرى، فقد أصبح تدخينها منتشرا في الكثير من الدول الأوروبية إضافة للولايات المتحدة، الأمر الذي دفع الكثير من هذه الدول لوضع بعض القوانين التي تحد من انتشارها بعد أن ثبت طبيا المخاطر الصحية الهائلة التي تنطوي عليها، والتي تودي بحياة الآلاف من المدمنين عليها سنوياً.
هناك أسباب عديدة تدفع لانتشار الشيشة بين النساء الآن في عالمنا العربي. يأتي في صدارة هذه الأسباب الرغبة في التجريب والمرور بحالة السعادة التي ترتبط بتجريب شيء ما لأول مرة، خصوصا إذا ما ارتبط ذلك بصحبة شلة سواء من الجنس الواحد أو من الجنسين. وفي حال تجمع النساء معا يشكل تدخين الشيشة ضربا من التمرد على الواقع والرغبة في المغايرة للمتعارف عليه، وهى حالة أقرب لسلوك المراهقين مع محيطهم الاجتماعي.
ومن المتعارف عليه الآن أن بعض المحلات توفر قاعات منفصلة ومستقلة لتدخين السيدات بما يضمن الحفاظ على خصوصياتهن وتوفير الأمن والأمان لهن، على طريقة ركن خاص للعائلات وعلينا أيضا أن نتخيل هنا تواصل مجموعة من النساء أيا كانت أعمارهن.
ليس من أجل زيارة إحدى رفيقاتهن أو من أجل الذهاب لشراء بعض الأغراض المنزلية أو حتى من أجل حضور ندور معينة أو مشاهدة فيلم سينمائي، لكن من أجل الذهاب إلى مقهى معين من أجل تدخين الشيشة.
ومن الأمور المضحكة الآن، أن يجد المرء بعض الرجال الذين يرهقهم الدخان ويسعلون بشكل بالغ أمام النساء اللاتي يرتفع صدورهن وينخفض على وقع أنغام الشيشة.
أما في حالة تجمع من الجنسين فإن تدخين الشيشة يرتبط بالرغبة في إضفاء جو أكثر بهجة للصحبة المشتركة كما أنه أصبح من الأمور الشائعة الآن أن يشترك الزوج والزوجة في تدخين الشيشة.
ومن أكثر الأمور غرابة في هذا الشأن أن يدخن كليهما في صحبة أطفالهم الصغار في أجواء يغمرها الدخان بكثافة غير محتملة، ناسين أو متناسين أن أطفالهم يشاركونهم التدخين بشكل سلبي أيضا.
ولعل اعتياد الأطفال على رؤية تدخين الأبوين للشيشة ما يؤسس لبيئة تساعد على تدخينهم لها فيما بعد ذكورا كانوا أو إناثا. وفي بعض الأحيان يمثل البيت المصدر الأول لهذه العادة المميتة، فما يزيد الطين بلة أن تدخين الشيشة في المقاهي ينتقل بعد ذلك للبيت حيث يصبح لازمة من لوازم الحياة اليومية.
ويعني ذلك في النهاية أن الشخص المدخن للشيشة، سواء أكان رجلا أو امرأة، سوف يبحث عنها حال خروجه من بيته، وسوف تصبح وجهته الأولى حال عودته للبيت، وهو الأمر الذي يخلق مناخا مواتيا لتدخين الشيشة بين الإناث، فقد تدخن الفتاة لأول مرة في حياتها داخل المنزل وفي غيبة أفراد أسرتها، خلسة وبمعزل عن عيونهم على سبيل التجريب الأمر الذي يتحول إلى نوع من الإدمان.
كما أنه قد أصبح من الأمور الشائعة الآن أن الكثير من السيدات في عالمنا العربي يلتقين في المنزل من أجل تدخين الشيشة وهو ما يمثل بداية لتطلع المراهقات ورغبتهن في التجريب. وما يرتبط بشيوع تدخين الشيشة الآن، أن المدخنين سواء أكانوا رجالا أم نساء يتصورون أن تدخين الشيشة أقل ضررا بكثير من تدخين السجائر.
وهو تصور خاطئ بدرجة كبيرة حيث أكدت منظمة الصحة العالمية أن تدخين الشيشة في المرة الواحدة يعادل في تأثيره تدخين عشرين سيجارة، وعلينا هنا أن نتصور تدخين الشيشة على الأقل مرتين في اليوم الواحد الأمر الذي يعادل تدخين أربعين سيجارة يوميا، وهو رقم مخيف ومرعب.
ورغم أن معظم مدخنات الشيشة من النساء هن من المتعلمات إلا أنهن يقبلن على أنفسهن ذلك التفسير الساذج لعدم تأثير الشيشة على صحتهن مقارنة بتأثير السجائر كما أن الشيشة تحمل أخطارا أخرى تتعلق بإمكانية نقل الأمراض الناجمة عن التلامس مثل أمراض الكبد والأمراض المتعلقة بالصدر.
ورغم كل ما تحاول أن تبرزه المقاهي والمطاعم من أشكال نظافة معينة واختراعات جديدة تجذب مدخنات جدد فإن الأمر لا يخلو بأي حال من الأحوال من إمكانية نقل الأمراض المرتبطة بالتلامس والاستنشاق.
من الضروري على الجهات المعنية في عالمنا العربي وبشكل خاص وزارات الصحة إطلاق حملات وطنية شاملة تحذر من مخاطر تدخين الشيشة بين الرجال والنساء على السواء، كما يجب أن تتدخل وزارات الداخلية بمراقبة تدخين الشيشة في المقاهي والمطاعم، وأن تحدد قوانين صارمة لأعمار المدخنين والمدخنات، بحيث لا يتم التعامل مع تدخين الشيشة وكأنه سلوك شخصي يحدده شخص المدخن بغض النظر عن العمر أو النوع.
كاتب مصري