يبدو أننا نعيش نوعاً من النوستالجيا ونحن نتلفت إلى ماضينا القريب والبعيد، ولا نلاحظ المتغيرات التي تجري في حياتنا، مما يجعلنا دائماً نعظم الماضي وننتقص من قيمة الحاضر الذي لا نرى فيه إلا الغياب والخراب. وإذا كان هذا التوجه له ما يسوغه في الواقع العربي المؤلم من انحسار التضامن العربي، وتفتت القوة العربية، واتساع الهوة الحضارية بين العالم العربي والدول المتقدمة على صعيد العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والإبداع إلى جانب الحقائق السياسية والاجتماعية والتشريعية من مثل المجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات العامة.
فإن التصور القائم على تثبيت هذه الحالة أمر لا يمكن الركون إليه وإجراء الحسابات بمقتضاه، فهذا راجع إلى تفكير يقف عند حدود التنميط واصطناع النماذج والقوالب الثابتة. وليس هذا التفكير غريباً على المنظرين والمخططين والاستراتيجيين في الغرب خاصة، لأن وهم قراءة السطح قد يغري المتعاملين بلغة الأرقام والإحصائيات بأن الأمور تسير وفق قاعدة مطردة وناموس ثابت لا يتغير أبدا.
إن نظرة سريعة إلى الماضي القريب والأبعد أيضاً تمكننا من سبر حالة أمتنا العربية بل، شرقنا الإسلامي سبرا أكثر علمية وواقعية؛ ويكفينا أن نقرأ واقع أمتنا في حادثتين تاريخيتين تعدان مفصلين أساسيين في تاريخنا الحديث، وهما الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام، وانهيار ما تبقى من تركة الرجل المريض- الدولة العثمانية، في أعقاب الحرب العالمية الأولى لندرك إلى أي حد كانت هذه الأمة تقع تحت براثن الاستعمار الأوروبي، ليس من زاوية الضعف العسكري وحسب.
ولكن من منظور الصورة العامة للقوة والضعف من جميع النواحي. ولعل نظرة إلى واقع التعليم تخرج بفاجعة مروعة على جميع الأصعدة من حيث سطوة الثالوث الرهيب: الجهل والفقر والمرض، ولعل كثيراً من الأقطار العربية كانت لا تملك أكثر من مدرسة أو مدرستين ثانويتين في تلك الفترة، بل ربما لا تملك بعضها أي مدرسة على الإطلاق. والأمر نفسه ينسحب على مرافق الحياة الصحية والاجتماعية والثقافية والإعلامية.
صحيح أن ثمة روابط كانت موجودة في هذه المجتمعات البسيطة، وهي روابط مهمة كانت تشكل صدفة تقي الجسد المتهالك من سطوة العدو الذكي المتغطرس المستعلي المدجج بالقوة اللا أخلاقية والغرور ولكنها في نهاية المطاف لم تكن قادرة على الحماية من بشاعة الاستعمار إلا إلى حين، فكل ما في الواقع المتردي كان يؤذن بهزائم قادمة وخراب في الجسد والروح على الرغم من الصورة الجميلة التي تختزنها الأجيال اللاحقة على سبيل الحنين الرومانسي والنوستالجيا التي تبدو غير قادرة على الوقوف في الواقع على قدمين ثابتتين.
نقول هذا الكلام دون أن نتنكر للهوة الواسعة الآن بيننا وبين الدول المتقدمة؛ فلم نستطع حتى الآن التقليل من الهوة الواسعة بيننا وبينهم، بيد أننا لا يمكن أن نقلل من الإنجازات التي حدثت في حياتنا على كل صعيد، ولاسيما في الجانب العلمي، فقد دخل الملايين إلى المدارس والمعاهد والجامعات، وازدهرت حركة ثقافية وإبداعية لافتة، وانتشر العلماء والمفكرون والمثقفون والمبدعون والإعلاميون في أنحاء العالم، وظهرت نهضة اقتصادية واجتماعية هنا وهناك تؤذن بملامح المستقبل الذي ينبلج من عالم متغير.
إننا ونحن نعاين الحاضر المؤلم على ما في الحاضر من حركة لها ما بعدها نؤمن أن الأمور لن تبقى على حالها، وأن المعادلة لن تبقى على نحو ما يتصوره المخططون والاستراتيجيون، أو ما يصورونه؛ فهذا المخزون الهائل من الطاقات المختلفة إلى جانب هذه القوة الهائلة من العواطف والمشاعر التي تنطلق من التاريخ إلى المستقبل تجعل الفكر المنمط أو المنمذج للحضارات والشعوب يحتاج إلى مراجعة حقيقية. وعلى هذا النحو فإن تصور أن الوضع الحاضر سيظل ثابتاً من الأوهام التي يدحضها الواقع والتاريخ.
ولعل من الأمثلة الواقعية ما جرى في جنوب إفريقيا؛ إذ ظن نظام الفصل العنصري القائم على الكراهية والتمييز والاستعلاء والغطرسة والتطهير العرقي يمكن أن يكون حلاً ممكناً، بل فعالاً ضد المواطنين الأصليين مستذكراً كل التراث الاستعماري المحمل بالأنانية والغطرسة والجشع.
ولكن ما حدث من تغير بل انقلاب دراماتيكي في المعادلة حين استطاعت الأكثرية السوداء نيل حقوقها يجعل المخططين والاستراتيجيين يعيدون حساباتهم، ويتأكدون من أن المراهنة على ما يجري على السطح لا يكفي دائماً لتوقع ما يمكن أن تسفر عنه النتائج الباهرة.
وإذا كان الأمر على هذا النحو، فعلينا أن نتأمل ظاهرة الغزوة الصهيونية لفلسطين على الرغم من مؤازرة كل القوى الاستعمارية لها، وتجنيد كل آلات التضليل الإعلامي في العالم من أجلها، ونقول بكل جزم إن الرهان على الواقع لن يكون في صالح التحليل الأخير.
فالعيش وسط هذا المحيط من الكراهية والإحباط والشعور بالغبن والظلم والتضليل لن يؤدي إلى فرض هذا الكيان المدجج بترسانة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية بل سيظل كياناً مستفزاً بسبب قدرته الهائلة على نشر جو من عدم الأمان والتهديد المستمر لكل إنسان في هذه المنطقة التي يستوطن قلبها ويجثم على أقدس مقدساتها.
إننا نقول لكل المتنكرين للحقائق التاريخية والواقعية الذين زرعوا كياناً عدوانياً في قلب هذه الأمة وراهنوا على دوام التجزئة والتخلف والفرقة والضعف؛ إن دوام الحال من المحال، وهذا التخطيط من غير شك لا يصب إلا في غير مصلحة أبناء الديانة اليهودية الذين عاشوا في الوطن العربي والشرق الإسلامي آمنين على أرواحهم وأموالهم وثقافتهم ومعتقداتهم وتبؤوا في ظل الحضارة الإسلامية المناصب والمراكز المهمة في جو من المحبة والسلام.
إن فرض الأمر الواقع وراء وهم تحقيق ما لا يمكن أن يتحقق يظل وهماً تدفع أجيال الناس ثمناً له، فأي شياطين خططوا لهذا الكيان ضد كل البشرية المعذبة بمن فيهم اليهود الذين استغلتهم الحركة الصهيونية وابتزتهم أبشع ابتزاز؟ وأخيراً نقول مرة أخرى إن من أشد التصورات سذاجة وفداحة المراهنة على سطح الواقع بينما تمور الأعماق بما يصعب توقعه والتنبؤ به، فحركة التاريخ، كما يعلمنا التاريخ نفسه، لا تنصاع لمثل هذا التنكر للحقائق والحقوق، والزمن يتحرك وإن كنا أحيانا نقع تحت وطأة الخداع باللحظة الراهنة.