عقود ستة مرت منذ إنشاء دولة إسرائيل وتحولات أساسية حصلت في الدولة وفي المجتمع الإسرائيلي وبعضها استقر كواقع أو كمعطى جديد في المشهد الفلسطيني الإسرائيلي. اقتربنا في لحظات معينة من التسوية دون أن تنضج هذه في حين أن الحديث عن التسوية حاليا صار منقطعا عن ارض الواقع وعن سياق الأحداث على الصعيد الإسرائيلي. لقد استقر مجددا منطق الصراع المفتوح بقوة مسيطرا على العلاقات مع (الآخر الفلسطيني) ولو بقي عنوان التسوية قائما وحمل معاني مختلفة ومتباعدة عن بعضها البعض.
ملاحظات أساسية لا بد من التوقف عندها:
أولا: تبدو إسرائيل وقد شهدت في الستين سنة الماضية قطيعة متعددة الأوجه في تركيبتها المجتمعية والسياسية مع لحظة قيامها وفي مجالات عديدة. فالديني صار مسيطرا بقوة على العلماني مقتطعا من السلطة أو مشاركا إياها في صلاحيات عديدة ومحتفظا لنفسه باستثناءات متعددة، دون أن ننسى بالطبع الخاصية العلمانية الإسرائيلية في علاقتها باليهودية كديانة لكن رغم ذلك دخل الديني في الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بقوة وقد حذر ابرهام بورغ رئيس الكنيست السابق من أن إسرائيل قد تتحول في نهاية الأمر إلى دولة حاخامات وجنرالات.
من مظاهر هذا الوضع الجديد التعايش الصعب والمتوتر، من حيث التصادم بين منظومات القيم الاجتماعية، بين (تل أبيب) المدينة الغربية بثقافتها التي تمثل وهنا المفارقة (الأمس) الإسرائيلي الاشكينازي والأكثر اندماجا في العولمة اليوم وغدا، وبين القدس الأصولية التي تحمل التوتر مع الآخر الإسرائيلي إلى جانب القطيعة مع الآخر في المحيط الخارجي.
في مجالات القطيعة أيضا حصل التحول من منظومة قيم اشتراكية تعاضدية عنوانها ورمزها الكيبوتز إلى الليبرالية الاقتصادية وقد مثل بنيامين نتانياهو رمز هذا التحول التي بدأت إرهاصاته في نهاية السبعينات وقد انعكس ذلك كله في حدوث تفاوت طبقي وفقر كبير إذ يعيش حوالي ربع السكان تحت خط الفقر الأمر الذي يعني عائلة بين كل أربع عائلات. واحدث ذلك مزيدا من الاختلال في المجتمع الإسرائيلي.
من مظاهر هذه القطيعة أيضا أن مشروع بناء الهوية الوطنية الموحدة لم ينضج بعد كما يقول المؤرخ توم سيجيف وهي موجودة فقط من خلال علاقتها الصراعية مع الآخر وتحديدا مع محيطها الفلسطيني والعربي والإسلامي. فإسرائيل بمثابة موزاييك مركب من جماعات اثنية وعرقية وذات أصول مختلفة.
ويشير في هذا الصدد اليعازر بن رفايل أستاذ علم الاجتماع إلى أن المصالح الفئوية لهذه الجماعات الإسرائيلية صارت تحكم بشكل كبير السياسة الإسرائيلية. وللدلالة على ذلك يقول ان حوالي خمسين من أعضاء الكنيست قد انتخبوا لأسباب اثنية.
كما أن من مظاهر القطيعة أيضا ان الهجرات إلى إسرائيل وهي التي تقوم على هذه الفكرة قد خفت وتيرتها وصارت تشهد تراجعا ووصلت إلى مادون عشرين ألف شخص في العام ويقول الكاتب الفرنسي ايمانيول فو في كتابه إسرائيل الجديدة إن هنالك «هجرة البوينغ» للدلالة على أن المهاجرين يبقون في حركة تنقل بين مجتمعهم الأصلي وإسرائيل بسبب عدم اطمئنانهم إلى إسرائيل على الصعيد الأمني والاقتصادي وتوزع انتماءهم على المستوى المجتمعي والثقافي.
ثانيا، إن نظرة إلى الماضي تدل على أن القضية الفلسطينية من منظور السياسة قد مرت في مراحل أربع بدأت في مرحلة الوطنية الفلسطينية التقليدية حتى الخمسينات ثم تحولت إلى المرحلة العربية القومية العقائدية إلى أواخر الستينات وتحديدا إلى حرب 1967 لتتحول بعد ذلك الى مرحلة الوطنية الفلسطينية التحريرية ثم الدولية.
وتستقر في مطلع هذه الألفية بعد الانسداد المتعدد الأوجه والمسببات الذي أصاب المرحلة الأخيرة الى مرحلة الإقليمية الاستراتيجية إذ جرى «خطف» خصوصية الصراع العربي الإسرائيلي مجددا ليصبح جزءا من المواجهة الاستراتيجية الدائرة في الشرق الأوسط وحول الشرق الأوسط وخاصة على خط صراع واشنطن طهران وتحول بسبب ما اشرنا اليه سابقا من انسدادات وأيضا من أخطاء وخطايا الى أداة ووظيفة في ذلك الصراع.
ثالثا، تجذر الانقسام الفلسطيني الحاد الذي انتقل من السياسي والعقائدي الى المجتمعي مما أحدث حالة من الشلل والوهن الفلسطيني يواكبه غياب عربي ساطع ومتزايد عن قضايا المنطقة وبالطبع في طليعتها القضية الفلسطينية مما أدى الى مزيد من التهميش على الصعيد الدبلوماسي الدولي والسياسي «للقضية» مقابل مزيد من التعاطف الشعبي العربي والإسلامي مع القضية ذاتها التي أشعلت راديكالية مشتعلة أساسا في المنطقة وزادتها غضبا على كل السياسات الرسمية طالما بقي الدعم الرسمي العربي على المستوى الكلامي والرمزي والتعاطف الإعلامي ولم يترجم إلى فعل.
فالعرب اليوم يفتقدون «العصا» القادرة على الردع كما يفتقدون «الجزرة» القادرة على الجذب وفي الحالتين يفتقدون القدرة على تحقيق التسوية، وهم مستمرون في دبلوماسية المناشدة والتمني والانتظار مجتمعاتهم قادرة أن ترفض عبرهم تسويات مجحفة وسلطاتهم غير قادرة على فرض تسوية محقة فيما يستمر النزيف في الجسم الفلسطيني العربي.
رابعا، هنالك مفارقة إسرائيلية مذهلة فبقدر ما أن المؤسسة السياسية الإسرائيلية تعتبر القضية الفلسطينية مشكلة داخلية يريدون تسويتها خارج حدود جغرافية لم يحددونها بعد بقدر ما انهم ينسفون بسياساتهم «مكان» التسوية المفروضة وهو ما يحذر منه العديد من الشخصيات الإسرائيلية .
معتبرين ان هنالك خطرا على إمكانية إنجاح تسوية الدولتين اذا استمرت السياسة الإسرائيلية على ما هي عليه واستمرارا لهذه المفارقات تؤدي سياسة الجمود السياسي الإسرائيلي لإعادة «استيراد» القضية الفلسطينية الى داخل إسرائيل كمشكلة وجودية بالنسبة للدولة العبرية وليس فقط كمشكلة أمنية كما أرادت ان تتعامل معها دائما .
لا أدل عن ذلك من انه في عام 2016 سيتساوى عدد الإسرائيليين والفلسطينيين في إسرائيل وغزة والضفة الغربية التي تسيطر عليها إسرائيل في حين تطرح إسرائيل اليوم فكرة يهودية الدولة. وهنا مفارقة كبيرة أيضا اذ تود ان تكرس رسميا ما يعرف بالديمقراطية الاثنية القائمة في إسرائيل او نوعا من النموذج جنوب افريقيا البيضاء الذي ولى لذلك نسمع في إسرائيل مجددا أطروحات مختلفة تعبر عن مخاوف وهواجس حول هذا الأمر .
منها ان إسرائيل قد تضطر للتحول مع الوقت الى دولة ثنائية القومية أو الى ديمقراطية توافقية تعكس هذا الواقع الجديد او قد تضطر الى مواجهة حرب يهودية فلسطينية مستقبلا من نوع الصراع الاجتماعي الممتد محوره نزاع اثني «داخل» الدولة الإسرائيلية ذاتها طالما انها مستمرة في احتلالها وطالما ان فهمها لإنهاء الاحتلال يقوم على تكريس وضع يمنع قيام الاستقلال الفلسطيني.
هذه بعض مظاهر المأزق الراهن واستمرار النكبة بعد ستين عاما من حدوثها في ظل استمرار التمزق الفلسطيني والتغييب الذاتي العربي والرهان على سراب سياسي من هنا وعقائدي من هناك لن يؤدي الا الى مزيد من الصراعات والمواجهات في فلسطين وعلى أرض العرب.
كاتب لبناني