أخيراً وبعد جولات ماراثونية لدبلوماسية «الطبقات» والكواليس، وبعد اتصالات وتدخلات وضغوطات، صعد الدخان الأبيض من فندق شيراتون، في الدوحة. قد لا يكون بياضه كالثلج. لكنه كشح سواد العتمة اللبنانية. وضع اللبنة الأولى لبداية انفراج واعد. في ضوء وعورة مسارات المأزق، كان لا أقل من إنجاز كبير، طال انتظاره. الآن الكرة في ملعب اللبنانيين.
المهندس العربي والمشرف القطري، انتهى دورهما في رسم الخريطة. على المقاول المحلي وضع القطار على سكّته السويّة. من الأساس كان الاعتقاد الراجح أن قطر، التي تولت رئاسة اللجنة العربية، لم تكن لتدعو اللبنانيين إلى عاصمتها، لو لم يكن لديها ما يحملها على الاعتقاد بإمكانية تحقيق اختراق لجدار الأزمة. خاصة وأن المهمة حظيت بدعم وبحضور عربي فاعلين، دبلوماسياً وميدانياً. كانت مراهنة في محلها. زيادة على ذلك، الأطراف وصلوا إلى آخر الشوط. الاضطرار كان خيار اللحظة.
بيد أن هذا الإنجاز الهائل، على أهميته الاستثنائية، لا ينبغي أن يحجب الباقي، المحفوف بالمخاطر؛ من الصورة. وهو لا يقل أهمية ومركزية عن الاتفاق. فما تم الإجماع حوله، هو الخروج من المأزق. لكن الأزمة لا تزال جاثمة على صدر البلد. ولها أكثر من جانب: سياسي وأمني وحكومي؛ وما يتصل بها أو يتفرع عنها، من قضايا ومشكلات كبيرة وعميقة.
فالوضع ما زال يحتفظ بهشاشته، على كل صعيد. ثم هناك التفاصيل التي، عادة، تسكنها الشياطين، كما يقال. الأيام القليلة القادمة هي الحكم والمحك، في هذا الخصوص. تنفيذ الاتفاق هو الفيصل. من انتخاب الرئيس، إلى تشكيل الحكومة، ثم إلى إقرار قانون الانتخاب. الوقت من ذهب. لبنان بحاجة إلى إنجاز هذه المهمات وبالسرعة الممكنة. أي تباطؤ أو غرق، من جديد، بالمشاورات أو بالأخذ والرد، قد يؤثر سلباً على أجواء الانفراج.
الانطلاق من إعلان الدوحة، بحاجة إلى تزخيم في بيروت. وليس بوسع أحد غير اللبنانيين، النهوض بهذا الدور. وبديهي أن النجاح في ذلك يتطلب ترك الماضي في المقعد الخلفي؛ والتطلع إلى المستقبل. هي لحظة امتحان مليئة بالتحديات. لكن لا خيار غير التغلب عليها. تجربة الأسابيع الماضية، تفرض ذلك.
ثم إن محاولة التعويم العربية هذه، هي آخر العلاج. ليس هناك في المستودع بديل عنها؛ إلاّ العودة إلى الأيام التي سبقت التعريب. هذا كل وآخر ما يمكن أن يقدمه العرب، في الوقت الحالي. التدويل ليس وارداً، لأسباب عديدة. ولا هو بالخيار الشافي. اللبنانيون محكومون بهذا المخرج. مع طلوع الدخان الأبيض، حان وقت انحسار الدخان الأسود، عن لبنان. في الدوحة توفرت الخريطة. في بيروت مطلوب أن يتوفر التطبيق. لا عذر ولا قبول لأي شطط.
