من واقع ما صدر عن الإدارة الأميركية في الشهور القليلة التي سبقت زيارة بوش، لا يبدو أن هناك إنجازات مهمة على صعيد القضايا ينوي الرئيس الأميركي تحقيقها. ويرجع السبب في ذلك إلى أن السياسة الأميركية رغم فشلها المدوي في المنطقة لم تتغير قيد أنملة.
فبوش الذي لم يكف عن القول إنه أول رئيس أميركي يدعو لإقامة دولة فلسطينية صارت إدارته ـــ بسبب رفضها الضغط على إسرائيل بأي شكل من الأشكال ـــ تتحدث عن التوصل بنهاية عهده لاتفاق يتعلق »بتعريف« الدولة الفلسطينية. ورغم الحديث الذي لا ينتهي عن نشر الديمقراطية في العالم العربي فقد ثبت أن إدارة بوش هي أول من تغير رأيها متى جاء صندوق الاقتراع بمن لا تريدهم.
ولذلك فإن أقصى ما سوف تفعله تلك الزيارة هو التأكيد على أن بوش لايزال يقف بقوة وراء سياسة المحاور التي اتبعتها إدارته علنا في المنطقة منذ عام 2006 ووصفها دنيس روس ـــ الذي كان بالمناسبة أحد المروجين لها ـــ بأنها عبارة عن خلق المظلة العربية لتحقيق الأهداف الأميركية. وهي الأهداف التي فشلت في تحقيقها عبر القوة الغاشمة فصار البديل ليس تغيير السياسة وإنما السعي لتنفيذها عبر الدبلوماسية.
وعلى ذلك فإنه لا جديد على الصعيد الموضوعي في هذه الزيارة. الجديد في الواقع يتمثل في الجانب الرمزي الذي هو عنوان الزيارة وأحد أهدافها الرئيسية. إذ لم تكن مصادفة أن تم اختيار التوقيت ليتزامن مع احتفالات إسرائيل بمولدها ولم تكن مصادفة أيضا أن يختار الرئيس الأميركي أن يلتقي بالرئيس الفلسطيني في شرم الشيخ لا في رام الله.
ولا ينبغي على الإطلاق التقليل من شأن الرمزي في العلاقات الدولية، فهو يعيد تشكيل الأجندة ويصنع خطابا سياسيا مختلفا، الأمر الذي يخلق سوابق تاريخية تظل ذات دلالات بالغة الأهمية خصوصا في الصراعات الممتدة كالصراع العربي الإسرائيلي.
وقد كان متعمدا في هذا الإطار أن يتوج بوش زيارته بالخطاب الذي ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي وكان الرمزي فيه يتخطى في الواقع حدود اللياقة الدبلوماسية. فإذا ما سعى المرء لتحليل الخطاب بدم بارد، فلا يمكنه إلا أن يلاحظ أنه اعتمد الرواية الإسرائيلية بالكامل سواء فيما يتعلق بالتاريخ أو بالحاضر، وهو أمر ينزع عن أميركا فورا قناع الوسيط.
فالخطاب تجاهل أن هناك شعبا فلسطينيا أصلا وأن هذا الشعب يعاني انتهاك حقوقه المشروعة فضلا عن استلاب أرضه، وفق أي معيار دولي أو إنساني متعارف عليه. بل أكثر من ذلك، غاب العرب تماما ـ بمن فيهم حلفاء أميركا ـ عن ذلك الخطاب الذي لم يذكر سوى أسماء بعض عواصمهم متمنيا لها التحرر من حكامها بعد ستين عاما من الآن.
ومن الممكن لمن يستمع للخطاب أن يتصور أن الرئيس الأميركي يتحدث عن منطقة أخرى من العالم لا يوجد فيها سوى إسرائيل التي أمعن في مدحها مدحا لا نراه عادة سوى في الأناشيد الوطنية. وهو لم ير في إسرائيل سوى دولة »بريئة« لم يسع مؤسسوها سوى »للاستقلال«. ولكن ما ان تم لهم ذلك حتى أحاط الصراع بالدولة الوليدة من كل جانب دون أن تقترف المسكينة أية ذنوب. فهي لم تحتل يوماً الأراضي المصرية والسورية واللبنانية، ناهيك عن ابتلاعها للأراضي الفلسطينية!
وبنفس منطق الخطاب نفسه، الذي جاء مقطوع الصلة تماماً بالتاريخ والجغرافيا، يتوقع بوش ـــ بصلف يحسد عليه ـــ أن يقول ما قال ويكون ذلك أيضا مقطوع الصلة بعلاقاته على الصعيد العربي. فما المانع من أن يقول كل هذا ثم يتنقل بعد ذلك من عاصمة عربية لأخرى ويلتقي من يلتقي وكأن شيئا لم يحدث.
ولكن إذا ما صدقت توقعات بوش ولم يتلق احتجاجات علنية رسمية وشعبية، فإن العرب يكونون قد أسهموا دون قصد في تخفيض سقف التوقعات بالنسبة للرئيس الأميركي الجديد وإدارته. فإذا كان من الممكن أن يقول رئيس أميركي ما قيل ثم لا يؤدي ذلك إلى رد فعل عربي واسع وقوي فما الذي يدعو الرئيس الجديد أن يهتم بالرؤى العربية ناهيك عن المصالح العربية.
ولنتذكر أن أوباما قال فعلاً رداً على انتقادات غلاة أنصار إسرائيل من الأميركيين ان دعم إسرائيل لا يعني بالضرورة الموافقة على سياسات الليكود الإسرائيلي. وأوباما أو غيره هو سياسي أميركي لن يتخذ مواقف صعبة مادام السهل متاحا ولا يضر على الإطلاق بمصالح بلاده في المنطقة.
من الممكن طبعا التعامل مع زيارة بوش بمنطق »علقة تفوت« كون الرجل سيرحل بعد فترة وجيزة، والتركيز بدلا من ذلك على الاستعداد للتعامل مع من يأتي بعده. لكن خطورة ذلك المنهج هو أنه أولا يتجاهل أن بوش ليس عاجزا عن الفعل السياسي خصوصا في السياسة الخارجية في الفترة من الآن وحتى يناير المقبل.
فليس صحيحا أن »البطة العرجاء« ـــ كما يطلق على الرئيس في تلك المرحلة ـــ منزوعة الصلاحيات. فالرئيس الأميركي يظل هو الرئيس حتى العشرين من يناير، يمتلك كل الصلاحيات وقادر على اتخاذ كل القرارات. ثانيا فإن ما فعله بوش خلال أعوام ثمانية قد خلق واقعا وأرسى عشرات السوابق التي سوف يحتاج الأمر إلى سنوات لتفكيكها فليس أقل من الوقوف بقوة أمام خلق سوابق جديدة وهو أضعف الإيمان.
وإذا كانت شعبية بوش في أميركا قد وصلت إلى 29%، وهي أقل نسبة يصل إليها أي رئيس أميركي بمن في ذلك نيكسون قبل استقالته، فليس مفهوما أن يصمت العرب إزاء تجاوزات رئيس لا يمثل في رؤيته تلك سوى القطاع الأكثر تطرفا بين اليهود الأميركيين والمسيحيين الأصوليين.
كاتبة مصرية
