هذا ليس عنواني بل أستعيره من الباحث اللبناني المرموق كمال الصليبي. لقد كنت في بيروت منذ 4 مايو وشهدت مقدمات الإضراب العام في 7 مايو وما تلاه عندما تفجرت المواجهات المسلحة الأخيرة. وبقيت يومين قبل أن أغادرها إلى دمشق في 9 مايو عن طريق طرابلس، وكان الصليبي هو أكثر اللبنانيين حضورا وقربا من ذهني في تلك الأيام.

كنت أشعر ببرود لا نظير له وأنا في قلب التوتر، وفي ليل الأربعاء 7 مايو، كنت أطوف مع صديق لبناني شوارع بيروت الخالية ومتاجرها المغلقة فيما الاشتباكات تدور في أحياء قريبة. لم يكن صعبا مشاهدة الاستثناءات: مطعم ومقهى مشرع أبوابه في شارع مظلم وشبان يملأون المكان. وقبل أن نغادر ذلك المطعم، كان ملهى ليلي قبالتنا يفتح أبوابه.

واصلنا الطواف وانتهى بنا الأمر إلى مقهى آخر قرب الجامعة الأميركية قضينا فيه بضع ساعات. لكن هنا بالضبط يمكن تلمس تلك الصورة التي تختزلها بيروت دوما وأبدا للمعضلة اللبنانية.

فمشاعر اللامبالاة التي يمكن أن يلحظها المرء لدى رواد ذلك المطعم وذلك المقهى واستغراقهم في حياتهم العادية، لن يقدم تفسيرا نهائيا إذا ما ركن المرء إلى التفسيرات السهلة. والصورة ضاغطة في تفاصيلها: فعلى مقربة من المكانين كان قتال يدور وثمة ضحايا تسقط وهنا سلوك آخر تماما، هذا هو لبنان وشعور اللامبالاة هذا يحركه إحساس دفين، ان الاقتتال ليس سوى أمر معتاد سيجد له المعنيون حلا.

استوقفني في حمأة المواجهات، أن أول الضحايا يلخص مأساتها: سيدة من آل »بيضون« وابنها من آل »طبارة«. المدلول واضح لمن يعرف لبنان جيدا: آل (بيضون) إحدى العائلات الشيعية الرئيسية في جنوب لبنان من بلدة »بنت جبيل«. أما آل طبارة فهم إحدى العائلات البيروتية »السنية« العريقة.

وكان هذا كافيا لاستثارة الضمائر والمراجعة وإعادة النظر ومحاولة الاستدراك والتفكير مليا في خيار الاقتتال، لكن إن كانت هناك حقيقة رسخها تاريخ لبنان فهي أن السياسات والمشاحنات مهما صغرت فهي دوما فوق الضمائر وفوق الإنساني، لهذا يقترن الاحتراب الأهلي دوما ومهما كان محدودا بالبشاعة. وإذ استدرك بأن »بيضون« أيضا هو اسم لعائلة سنية من بيروت أيضا ولربما تكون الضحية من هذه العائلة، فان التوضيح لن يغير في معنى البشاعة المرتبطة بالاحتراب، فقد قتلت الأم وابنها بطلقات في الرأس.

أما الحرب الكلامية، فقد دفعتنا من جديد إلى تاريخ يكرر نفسه على الدوام. ففي حمأة الحرب الكلامية ترددت هذه المفردة غير مرة: »دويلة حزب الله«. على الفور سيتذكر ذلك الجيل الذي عاصر الحرب الأهلية في 1975 مفردة مشابهة: »دويلة عرفات« أو في تنويع آخر: »جمهورية الفاكهاني«، أي ذلك الحي الذي تركزت فيه غالبية قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في غرب بيروت حتى إجلائهم عن المدينة عام 1982.

على هذا لابد أن يستدعي الذهن حقيقة أخرى ظلت مرتبطة بتاريخ لبنان منذ إنشائه عام 1920 وهي أن الحرب الأهلية تتجدد كل عشر سنوات تقريبا أو أكثر بقليل. أما المعضلة هنا فان الزعماء في الغالب هم أنفسهم أو أبناؤهم، نفس العائلات التي تتوارث الزعامة لكن جمهور الحرب متجدد ومختلف.

فأؤلئك الذين امتشقوا السلاح في حرب 1975، ليسوا هم من طاف الشوارع وليسوا هم من حمل السلاح هذه المرة، بل جيل جديد وبالتأكيد أحدث عمرا وذاكرة، فذاكرة مقاتلي اليوم ليس فيها من حرب 1975 سوى صور وذكريات غائمة ومنقولة لا المعايشة التي يمكن أن تدفعهم للمقارنات والاستنتاجات واستخلاص العبر مثلما جرى للجيل الذي شارك في حرب 1975.

العبرة هنا واضحة، فالدولة مشروع مؤجل وغير مكتمل دوما في لبنان، أن تكرار المفردات واستعادة التعبير القديم معناه، يعكس امتداد الأزمة وتاريخيتها. فبين المفردتين »دويلة عرفات« و»دويلة حزب الله« 33 عاما. وفي كلا الحالتين هناك معضلة وتحد مطروح أمام سيادة الدولة اللبنانية إلى الحد الذي تبدو فيه هذه الدولة وكأنها مجاز.

وثمة حقيقة أخرى في هذا الجدل اللبناني الممتد تاريخا هي أن منطق كل الفرقاء فيه من الصحة بقدر ما فيه من الخطأ. فمنطق الخوف على سيادة الدولة الذي جهر به قادة المسيحيين في 1975 ودفعهم لإعلان الحرب على الفلسطينيين والحركة الوطنية، هو نفسه الذي يتجدد الآن مع تغير في أطرافه. وكلا المنطقين فيهما من الصحة والخطأ القدر نفسه لأنهما ليسا سوى امتداد للسبب الرئيسي في المعضلة: لا اتفاق على شكل الدولة، أو أنها مؤجلة.

لكن بناء الدولة أو انجازها مهمة لا يمكن أن تحسم في مداولات لفرقاء لبنانيين في بضعة أيام أو بضعة أسابيع أو شهور، إنها مهمة لم تنجز أبدا في لبنان وثمة عنصر ضاغط بقوة دوما هو بلغة التحليل المهذبة »العنصر الإقليمي« أو الجغرافيا السياسية. أما في أكثر تمثلاته العملية فهو حقيقة في غاية السوء والأذية التاريخية البالغة اسمه »إسرائيل«. وبقدر ما يبدو المجال مفتوحا لإضافة لاعبين إقليميين مؤثرين آخرين، فإن هذا لن يفعل شيئا سوى أن يقودنا من جديد إلى مسؤولية اللبنانيين أنفسهم.

لبنان 1975 هو غير لبنان 2008 بالتأكيد، لكن خيط التأزيم مستمر لأن عامل التأزم الأهم في تاريخ البلد مازال قائما: الدولة المؤجلة وغير المنجزة. هذه معضلة لبنانية محضة ولن يحلها سوى اللبنانيين أنفسهم، ولربما أتطوع بتكرار نصيحة صغيرة كتبتها مرة. إذا كان هناك من بلد يتعين على اللبنانيين أن يقارنوا أنفسهم به فهو سويسرا.

أعتقد ان على اللبنانيين جميعا أن يقرأوا تاريخ سويسرا لكي يدركوا التشابه الكبير بينهم وبين هذا البلد ولكي يستخلصوا العبرة من السويسريين. وقبل هذا أظن ان أفضل ما يمكن أن يقرأه الزعماء اللبنانيون هو كتاب الباحث اللبناني المرموق »كمال الصليبي« المعنون »بيت بمنازل كثيرة ـــ الكيان اللبناني بين التصور والواقع«.

المفارقة أنني كنت اقرأه للمرة الثانية في بيروت فيما المأساة اللبنانية تتجدد طبقا لقوانينها التاريخية مرة كل 10 سنوات أو 15 عاما على الأكثر. أعتقد إن على اللبنانيين جميعا أن يقرأوا تاريخ سويسرا لكي يدركوا التشابه الكبير بينهم وبين هذا البلد ولكي يستخلصوا العبرة من السويسريين.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com