تستعد تشيكيا لترؤس دورة الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من العام 2009، لتكون بذلك ثاني دولة أوروبية شرقية تحظى بشرف تحمّل هذا العبء الدبلوماسي المهم بعد سلوفينيا.
وفي وقت تبدو فيه المرحلة السلوفينية حتى الآن هادئة أو روتينية في ما يخص علاقة الاتحاد الأوروبي مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فإن المرحلة «التشيكية» إن صح التعبير ستشهد بلا شك تغييرات في ما يخص هذا الملف الحساس جدا، أو على الأقل مبادرات من نوع جديد قد تعتقد الرئاسة الجديدة أنها مفيدة لقلب الروتين السائد في مشهد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي من جهة، والفلسطينيين والإسرائيليين من جهة أخرى.
وكنا سنفرح لأية مبادرات جديدة قد تهدف لخلق واقع تقدمي جديد يفيد منه طرفا الصراع، لأن ما سبق من مبادرات لم تحقق حتى الآن ما هو مرجو منها لاعتبارات كثيرة قد لا يتحمل الجانب الأوروبي لوحده بالطبع مسؤولية ذلك.
لكن التدقيق في النيّة التشيكية القائمة حاليا، وممارسات دبلوماسيتها في ما يخص ملفات الشرق الأوسط، يدعونا لإخضاع المرحلة الآتية إلى أكثر من علامة استفهام، أو على الأقل دعوة الجانب العربي للاستعداد لما يتم تحضيره، انطلاقا من حقيقة أن الجمهورية التشيكية لم تخف انحيازها الواضح للموقف الإسرائيلي، برغم إصرارها دائما على ادّعاء التوازن في العلاقة مع طرفي الصراع وإيمانها بضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة.
قبل أيام حضرتُ في وزارة الخارجية التشيكية لقاء حواريا حول مشروع السلام في الشرق الأوسط شاركت فيه مجموعة من الشخصيات الدبلوماسية الأجنبية والمحلية البارزة، حيث شكّل اللقاء مناسبة للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة حيال هذا الملف، لكنه أثار أيضا بعض الغموض والتساؤلات حول الموقف الذي سيتبناه الاتحاد الأوروبي خلال المرحلة التي سبق أن تحدثنا عنها.
فالمواقف التي صدرت عن المسؤولين التشيك تحديدا، ومنهم وزير الدولة للشؤون القانونية تسيريل سفوبودا ونائب وزير الخارجية يان كوهوت، أثارت في حقيقة الأمر قلقا حول ما ستعدّه الدبلوماسية التشيكية خلال مرحلة ترؤسها، خصوصا فيما يتعلق بموضوع العلاقة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من جهة، وبين الاتحاد وأطراف الصراع في الشرق الأوسط من جهة أخرى. ولقد اعتمدتُ في قلقي هذا على جملة من الأمور التي سأختصرها على الشكل التالي:
بدا من الحديث الذي أدلى به الوزير سفوبودا والذي كان يشغل في السابق منصب وزير الخارجية، بأن براغ لا تزال مصرة على تبني سياسة غامضة في صياغة المواقف المرتبطة بالصراع ومشروع السلام الشرق أوسطي، وهو ما بدا من خلال جملة من المواقف التي أطلقها الوزير وأهمها:
ادّعاؤه أولا بأن المعاناة القائمة منذ قيام دولة إسرائيل هي بسبب الرفض العربي لمبدأ تقسيم دولة فلسطين، وإصراره ثانيا على فقدان «الشريك الشجاع» على الجانب الفلسطيني ليدفع قدما بمشروع التسوية مع إسرائيل، وإصراره ثالثا على ضرورة تقييم كافة الأمور المرتبطة بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي انطلاقا من المعايير التي يجب على الاتحاد الأوروبي أن يفرضها على الجانبين، وأهمها التزامهما بما وصفها بالمعايير الديمقراطية المتعارف عليها أوروبيا.
النقطة الثانية الجديرة بالاهتمام في هذا السياق، هو ما يذكره المسؤولون في براغ عن الدور الذي لعبه الاتحاد الأوروبي في الصراع، حيث إنهم يعتبرونه غير فعال على الإطلاق لأن الدول الأوروبية ليست موحدة فيما يتعلق بنظرتها إلى جوهر الصراع القائم.
وهنا في الحقيقة تكمن أهمية ما أحاول أن أشير إليه، حيث إن الجمهورية التشيكية تُعتبر من الدول القلائل في الاتحاد الأوروبي التي تعتقد بأن الدور الذي يمارسه الاتحاد الأوروبي في مشروع السلام الشرق أوسطي يشكّل «انحيازا واضحا للجانب الفلسطيني».
وقد حرصت منذ انضمامها إلى هذا الاتحاد وبالتعاون مع دول أخرى، على إطلاق حوار لإجراء تعديل على هذه السياسة وبالتالي الكف عن ذلك الانحياز المزعوم إلى الفلسطينيين، وستسعى حسب ما تناهى إلى مسامعنا لتبنّي سياسة أكثر حزما بهدف إقناع الدول الأعضاء لتوحيد مواقفها وسياستها الخارجية وخصوصا ما يتعلق منها بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
وحتى انطلاق تلك الدبلوماسية الحازمة، فإن ما زاد من ضبابية المشهد هو أن وزارة الخارجية التشيكية المفترض أنها مسؤولة عن النشاط الدبلوماسي للبلاد وستتحمل بالتالي القسط الأكبر من عبء رئاسة الاتحاد الأوروبي، لم تحدد حتى الآن بشكل علني أولويات تحركاتها المرتبطة بالملف الشرق أوسطي خلال فترة توليها لرئاسة الاتحاد.
وعندما حاول البعض خلال المؤتمر الحواري الأخير أن يستفسروا عن طبيعة تلك السياسة الحازمة التي تستعد براغ لإطلاقها أو أن يعرفوا بشكل أدق ماهية الخلافات القائمة بينها وبين الدول الأخرى بخصوص العلاقة مع طرفي الصراع في الشرق الأوسط، لم يحصلوا من نائب وزير الخارجية يان كوهوت سوى على تأكيد بأن كل الأمور ستكشف في الوقت المناسب، لأن الحكومة التشيكية ليست في وارد إطلاع الرأي العام حاليا على أي من أولوياتها خلال فترة ترؤسها للاتحاد الأوروبي.
أما الوثيقة الرسمية الصادرة عن مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الأوروبية والتي تحدد بشكل واضح أولويات الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي، فاكتشفنا بأنها خلت تماما من أية إشارة إلى مشروع السلام في الشرق الأوسط، وركّزت على أمور التعاون اليورو أطلسي ومنطقة غرب البلقان.
كل هذه المؤشرات أثارت جميع التساؤلات التي أشرنا إليها في أكثر من مكان في هذا السرد، ودعت بكثيرين من المتابعين لملف العلاقات الأوروبية ـ العربية للاستفسار عن المرحلة التالية وفيما إذا كانت بعض الدول المنضمة حديثا إلى الحظيرة الأوروبية الديمقراطية ستجعل من مسألة «تصحيح» موقف الاتحاد الأوروبي أمرا استراتيجيا وأولويا. فهل نحن قادرون على مواجهة كل هذه المفاجآت التي تنتظرنا مستقبلا؟
كاتب لبناني
