الهند ثاني أكبر دولة بعد الصين من حيث عدد السكان حتى يومنا هذا، إذ فاق عدد سكانها المليار، ولو استمرت الصين في سياستها لتحديد النسل سوف تصبح الهند الأولى لأنها راضية بازدياد عدد سكانها وليس لها نيّة للحد منها.

زرتها مرات ومرات، وأعتقد أن معظم أبناء دول مجلس التعاون قد زاروها بحكم العلاقة التاريخية التي تربط بيننا، حيث كان آباؤنا وأجدادنا يقصدونها للتجارة بالسفن الشراعية، ثم بالبواخر مع بداية القرن الماضي.

وكان من أشهر البواخر لنقل المسافرين بين الهند والخليج «داره» و«دواوكه» و«دمرة» التي عُرفت عندنا بالمعلي والسنان، واعتبرت كارثة باخرة «داره» التي اشتعلت فيها النيران على سواحل دبي إثر انفجار في ابريل عام 1961 من أشهر الكوارث البحرية في المنطقة.

لكن زيارتي الأخيرة للهند كانت إلى منطقة جديدة لم أزرها من قبل وهي ولاية راجستان التي تقع غربي الهند وقريبة من الحدود مع باكستان، يبلغ عدد سكانها حوالي 15 مليون نسمة.

بدأت رحلتنا من مطار دبي إلى مدينة دلهي العاصمة، ومنها إلى مدينة «اديبور» وتعني البحيرة، وهي ثاني مدينة في ولاية راجستان بعد «أجيبور» العاصمة، واراد الأصدقاء هناك تكريمنا فحجزوا لنا في فندق كان في الأصل قصراً لأحد المهراجات، «اوراجا» كما يطلق عليه، ويقع وسط بحيرة كبيرة من المياه الحلوة، تربطها بالبر العبرات والقوارب.

وقد تم تحويل القصر إلى فندق بعد أن تم ترميمه من قِبل شركة فندقية عالمية، وأراد مدير الفندق أن يهتم بضيوف أصدقائه في دلهي، فأرسل سيارتين أميركيتين لنقلنا من المطار، واحدة من طراز عام 1938 والثانية من طراز عام 1944 تم تجديدهما من الداخل لكنهما لا تتحركان إلا في حدود 25 كلم/ ساعة وبحد أقصى 40 كلم/ ساعة مع أن المسافة بين المطار والفندق لا تتعدى 26 كيلومتراً إلا أن الرحلة في السيارة استغرقت أكثر من رحلتنا بالطائرة من نيودلهي!

مدينة «اديبور» اكتشفت كما يقول أحد المؤرخين عام 1553، مساحتها صغيرة، وعدد سكانها لا يتجاوز 500 ألف نسمة، لكنها تعجّ بالسائحين الأوروبيين الذين تصادفهم في كل مكان حتى يُخيَّل إليك أنهم أكثر من السكان الأصليين، والسبب يرجع إلى أن هذه المدينة بالإضافة إلى طبيعتها الخلابة المتمثلة في بحيرتها المميزة، مليئة بالمتاحف والقلاع والقصور القديمة والتاريخية، إضافة إلى أن ولاية راجستان نشطة في مجال الترويج السياحي، حيث تُقام هناك مهرجانات عدة على مدار السنة، منها مهرجان الفيلة وآخر للهجن، ومهرجان الصحراء وعادات أهلها.

قضينا في مدينة «أديبور» أياماً جميلة بعيداً عن صخب المدن وضجيجها، لم نتحرك إلا قليلاً في الفندق وسط البحيرة التي يساوي عرضها حوالي 3 مرات عرض خور دبي، أما طولها فيزيد على خمسة أضعافه، ثم عدنا إلى مدينة دلهي، أو نيودلهي كما أطلق عليها بعد استقلال الهند من بريطانيا.

الهند بلد التناقضات الكثيرة، يمتزج فيها الفقر المدقع بالغنى الفاحش، وتختلف فيها الألوان والأشكال، وتتعدّد اللغات والمذاهب والديانات، ومع كل هذا هي متماسكة إلى أبعد الحدود، حيث يُقال عنها إنها البلد الأكثر ديمقراطية في العالم، وتتجسد التناقضات على كل شبر من أرضها.

خاصة على مظاهر حياة أهلها، ولقد لفت انتباهنا منظر قال صديقنا إنه يتكرّر في كل المدن الهندية، وهو عن عائلة تعيش على رصيف الشارع، مكوّنة من 5 أفراد حسب ما رأينا، الأب والأطفال نائمون على الرصيف والأم تكنس، لكن رغم عيشتها تلك، فهي لم تفرط في قطعة الذهب في أذنيها وأنفها، وقال لنا صديقنا لما لاحظ دهشتنا، إن هذا ليس بغريب على المرأة الهندية لأنها تعتبر الذهب من المقدسات حتى لو عاشت هي وعائلتها على الرصيف إلى الأبد.

ومن الأمور المثيرة التي اكتشفناها هناك أن الهند تعيد استيراد العمالة الهندية من دول مجلس التعاون، حيث قال لنا أحد التجار إن هناك شركات متخصصة لجلب العمالة التي تم تأهيلها وتدريبها في دول مجلس التعاون وعرض إغراءات مادية عليها تساوي تقريباً ما تتلقاه هناك.

وقد تم إلى الآن جلب حوالي 15 ألف عامل من دول الخليج، وعندما سأله أحد الأصدقاء: هل هذا يعني أن الشركات الهندية أصبحت تنافس الشركات الخليجية على العمالة؟ قال: ليس إلى هذا الحد، فالعمالة التي تأتينا من دول الخليج أكثر تأهيلاً وتدريباً وعطاءً من العمالة الموجودة هنا، وهذا يعني بالمقاييس العلمية توفيراً للوقت والتكلفة، وبالتالي القدرة الإنتاجية تكون أفضل، خاصة بالنسبة للشركات العاملة في مجال البناء، إذ أن بعض هذه الشركات التي تعمل في الهند هي من دول مجلس التعاون.

sultan654@hotmail.com