إسرائيل «أرض الميعاد».. والشعب اليهودي «شعب الله المختار».. لو وردت مثل هذه الأقوال المشبعة، بنغمة «توراتية» على لسان يهودي متطرف لما كانت مثار دهشة. لكنها وردت الآن على لسان رئيس دولة عظمى تتعامل معها القيادات العربية، بما في ذلك القيادة الفلسطينية الرسمية كوسيط «حيادي ونزيه» في إطار النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
جاء جورج بوش رئيس الولايات المتحدة إلى إسرائيل، وهو يحمل في جيبه خطابه «التوراتي» المكتوب ليهنئ الدولة اليهودية بمناسبة مرور 60 عاماً على إنشائها. وقف يلقي خطابه متمنياً لها طول العمر إلى أن تحتفل بعيدها المئة والعشرين.
التحيز الأميركي الكامل للدولة الإسرائيلية ليس بالأمر الجديد على تعاقب الإدارات والرؤساء. الجديد هو أن يتبنى رئيس أميركي علناً الرؤية الدينية الإسرائيلية. ذلك أنه وفقاً لهذه الرؤية ليس للفلسطينيين أرض. فالضفة الغربية لنهر الأردن ـ أي «يهودا والسامرا» كما يطلق عليها اليهود ـ أرض مقدسة «موعودة» للأمة اليهودية وحدها منذ آلاف السنين، ينبغي «تحريرها» من الوجود الفلسطيني وذلك بحكم «التوراة».
على مدى سنوات ولايته ظل الرئيس بوش يبشر بحل «الدولتين» ـ دولة إسرائيل القائمة فعلاً وإلى جوارها دولة فلسطينية «قابلة للحياة» على أرض الضفة وغزة. ورغم أن هذه المعادلة لم يكن لها مصداقية تذكر ـ لأن الإدارات الأميركية تقول الشيء وتفعل ضده ـ إلا أن الرئيس بوش ظل يكررها بمناسبة ودون مناسبة، وكأنها صارت لديه بمنزلة العقيدة الثابتة. الآن وبإعلان تبنيه الرؤية التوراتية اليهودية، فان الرئيس الأميركي ينزع القناع عن وجهه، وكأنه يعلن أن معادلة حل الدولتين لم تعد معتمدة لدى واشنطن حتى كمجرد شعار.
وكان هناك مؤشر على الصعيد التطبيقي. فبينما عمد الرئيس الأميركي إلى زيارة إسرائيل رسمياً ليهنئ الإسرائيليين بالذكرى الستين، فإنه قصد ألا يشتمل برنامجه على زيارة مماثلة إلى الفلسطينيين في الضفة. فكيف يواسي الشعب الفلسطيني في نكبته بفقدان أرضه.. وهي أصبحت في عرف الرئيس أرضاً يهودية مقدسة بحكم الديانة التوراتية؟
خاتمة خطاب بوش في البرلمان الإسرائيلي كانت الأشد دلالة. فقد خاطب الأمة اليهودية قائلاً: «لقد خلقتم مجتمعاً حديثاً في أرض الميعاد. أنتم نور للأغيار. أنتم حفظة إرث إبراهيم وإسحاق ويعقوب». في لقاء لاحق بشرم الشيخ طلب الرئيس أبو مازن من بوش أن يضغط على إسرائيل لكي تقبل «حل الدولتين».. ويا له من طلب غريب!