أقل ما يقال في سياسة إدارة الرئيس بوش الشرق ـ أوسطية، أنها كانت وبالاً على المنطقة. ليس فقط بفشلها في التعاطي الموضوعي مع قضاياها، حتى لا نقول في البحث عن حلول لها؛ لكن أيضاً بمفاقمتها وتأجيجها للأزمات الملتهبة فيها.

وخطابه الأخير في شرم الشيخ ومن قبله خطابه في الكنيست، لا يندرجان بامتياز في هذه الخانة فقط؛ بل هي أيضاً زادت الطين بلّة. ليس لأن الرئيس تجاهل الجرح فحسب. بل أيضاً لأنه رشّ عليه الملح. وكأنه «جاء ليكحّلها فعماها».

الوزيرة رايس كانت قد أوحت، خلال جولاتها التي مهّدت لزيارته ، بأن الرئيس قد يحمل معه في هذه المرة وقبل مغادرته للبيت الأبيض، ما يشكل اختراقاً؛ على صعيد المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. وعد أنابوليس يحمله على ذلك. وكذلك رصيده المحتاج إلى إنجاز. من جانبه الرئيس الفلسطيني دعاه وناشده، مراراً وتكراراً، ومنذ مطلع العام، بالتدخل لإنقاذ ذلك الوعد. إسرائيل مارست كل شيء، إلاّ الاقتراب من أنابوليس. على العكس فعلت كل ما ينسفه. وبالتحديد في مجال الاستيطان.

وحذرت من أن الوقت بدأت تضيق رقعته، وباتت التسوية خلال هذا العام في خطر. مع ذلك لم تتزحزح واشنطن. أبعد ما ذهبت إليه ، كان إشارة مجوّفة بأن بناء المستوطنات لا يساعد السلام. لكنها بقيت تردّد بأنها لن تضغط على إسرائيل بشيء. أثناء مشاركته، قبل أيام، لإسرائيل احتفالاتها الستينية؛ كسر الرئيس بوش كل الاعتبارات وكشف عن حقيقة موقفه ومشاعره، التي لا يتوفر فيها شيء من الشروط اللازمة لدور أميركي فعال. ما قاله أثار ردود فعل سلبية في المنطقة.

كان من الصنف الاستفزازي. بل التحريضي، ولو بصورة مبطّنة. كان مخيباً للسلطة الفلسطينية. الرئيس محمود عباس لم يقو على كبت غضبه مما سمعه، في خطاب بوش أمام الكنيست. الرسالة التي بعث بها كانت واضحة: أنابوليس صار بذمة التاريخ. وإذا كانت غير واضحة فقد عاد وأكّدها، أمس الأول، في كلمته أمام مؤتمر دافوس، في شرم الشيخ. كل ما ذكره عن المفاوضات والسلام، كان إعرابه عن « إيمانه العميق»بإمكان التوصل إلى اتفاق . فقط لا غير.

أما التركيز فقد كان من نصيب المعزوفة ذاتها، التي غمرت المنطقة بنعمها: أهمية نشر الديمقراطية وتوسيع دائرة الحريات. ربما هي كلمة حق. لكن المراد بها باطل. لقد تحدث الرئيس عن هذا النشر في السابق وشن حروباً تحت يافطته.

وكانت النتيجة المعروفة.هو يدرك، على الأقل في ضوء تلك التجربة، أن الديمقراطية لا تنشر من الخارج. هي نبتة محلية تنمو في ظلّ ظروفها وبيئتها. ثم هو يدرك أكثر، أن المستعجلة عليه المنطقة الآن هو السلام. المدخل في الملف الفلسطيني. والمفتاح في واشنطن. أما الباب فهو في إسرائيل. الوقت ليس لإعطاء الدروس في أمور أخرى. الأوضاع لا تحتمل هكذا محاضرة.