في بداية القرن الواحد والعشرين سجل التاريخ البشري نقلة نوعية خطيرة في السياسة والعلاقات الدولية المعاصرة.

بالذات أقدمت الولايات المتحدة الأميركية على احتلال أفغانستان والعراق بشكل عسكري مباشر ضاربة بعرض الحائط كل القوانين والأخلاق والأعراف الدولية، والأهداف هي الاستحواذ بشكل انفرادي ما أمكن على مخزوني النفط في بحر قزوين والعراق وإيجاد مواطئ قدم جديدة بديلة بعد ما بدأ التواجد العسكري الأميركي بالانحسار من المناطق المعهودة.

الأهداف الاستراتيجية الأخرى هي ضرب الوجود الإسلامي عن طريق التدخل في عمق وأساس البنية الداخلية لكل المجتمعات الإسلامية.

الممارسات الأميركية في أفغانستان والعراق لا تدع مجالاً للشك بأن الجيش الأميركي يقوم بعمل كل ما هو لا أخلاقي ومستقبح لاستفزاز مشاعر عامة المسلمين. وما تدمير وتدنيس المساجد والحسينيات والمصليات والأضرحة بشكل متعمد إلا الجزء البسيط الذي ظهر من خطة استراتيجية تهدف إلى النيل من العقيدة والمنهجية الإسلامية.

تمتاز منطقة الشرق الأوسط عموماً والمنطقة حول الخليج العربي خصوصاً بتعدد عرقي وديني ومذهبي مسالم فريد من نوعه. في المنطقة حول الخليج هنالك الأعراق الرئيسية المتمثلة بالعربية والفارسية وبدرجات أقل الأعراق الأخرى مثل الكردية والبلوشية والآسيوية الأخرى الأقل شأناً عددياً، ودينياً يسود الدين الإسلامي بمذاهبه المختلفة الموزعة بين الشيعة والسنة والمذاهب الأصغر عددياً من جهة الأتباع والتابعين والموالين والأنصار.

هذا إلى جانب أعداد قليلة نسبياً من أهل الديانات والعقائد الأخرى مثل المسيحية والهندوسية والبوذية خاصة القادمة مع العمالة الوافدة إلى منطقة الخليج الغنية بالبترول. بالذات العرب والفرس وما يحملونه من مذاهب فكرية ودينية قليلاً متباينة يتعايشون سلمياً منذ قرون.

هذا التعايش القائم في منطقة الشرق الأوسط عامة والخليج خاصة يمكن أن يعتبر مثالاً حضارياً راقياً يُحتذى به لدى الآخرين من الأمم والقوميات والأقوام والجماعات عبر العالم، وبشكل أكثر خصوصية فإنه يتعايش العرب والفرس على طرفي الخليج العربي بشكل يتعذر إيجاد أي فرق حقيقي بين الطرفين، حيث على الطرف الإيراني هنالك الملايين من أصول عربية في الوقت الذي تعيش فيه أقوام من أصول فارسية على الطرف الشرقي أو العربي من الخليج.

الدخول الأميركي على التعايش السلمي في منطقة الخليج ومحيطها يحاول إحداث تصدع وإرباك لتلك الصيغة من التعايش بسبب طبيعة التدخل الاستعماري الأميركي والإعلام المحموم المصاحب. مع التركيز الأميركي على تبني نظام المحاصصة الطائفية في العراق، ذلك ما أدخل أهل المنطقة في دوامة التصنيف المعتمد على العرق والمذهب والطائفة والولاء السياسي.

بات التعايش السلمي للشعوب في المنطقة الضحية الرئيسية للحرب الأميركية على ما تسميه بالإرهاب، حيث يتم تصنيف الشعوب حسب الأصول العرقية والولاء المذهبي المفترض في دوائر البنتاغون والاستخبارات المرافقة والتابعة. بذلك تجري عملية فرز واستقطاب جماعية حاشدة واسعة لمختلف الإثنيات المتعايشة أصلاً بسلام.

يسيطر على حديث الساعة في العراق تحت الاحتلال والمنطقة ككل الآن التفكير بنسب مئوية طائفية شيعية وسنية وكردية وكلدانية وآشورية وتركمانية. وينسحب الأمر وبشكل هادف على التركيبة الاجتماعية الإيرانية الداخلية حيث التدخل الأميركي يهدف إلى تمزيق تلك الجبهة بين قوميات عربية وفارسية وكردية وبلوشية وغيرها. والهدف هو إشعال نقاط وخطوط الاختلاف الشكلي بين القوميات والإثنيات المختلفة لإضعاف الدولة المركزية تمهيداً لتهديدها وإخضاعها لمخططات خارجية.

لا يخفى على أحد الآن كيفية تعامل الإدارة الأميركية الحالية مع القضايا الدولية. الرئيس الأميركي جورج بوش يتبع أسلوب الكاوبوي العنيد في التعامل مع الآخرين كما لو كان في ساحة أو حظيرة امتطاء صهوات ثيران، أو يحاول تجميعها من حقول الرعي الواسعة. لكن تعامل جورج بوش مع «الثيران» المفترَضة يتم باستعمال أسلحة أو بالتهديد بها، أسلحة متطورة كانت قد أُعدت في الماضي لخوض حرب محتملة ضد الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي خطواتها العسكرية العدائية لا تأبه إدارة بوش إذا ما رأت الطوائف تنقسم على نفسها وتبدأ بحرب بعضها بطريقة بغدادية أو بصْرية أو نجفية أو كركوكية أو فلوجية، بنظر الإدارة الأميركية كل شيء مباح واللوم عادة ما يقع على طرف أغلب الأحيان غير موجود على الساحة مثل تنظيم أو جماعة أو حزب يتم الإعلان عنه يوضع على شكل شماعة إعلامية خرافية. لا يمانع الرئيس جورج بوش وطاقم إدارته من رؤية أهل المدن والمحافظات يحاربون بعضهم البعض وأمعاؤهم خالية خاوية تحتاج إلى عون غذائي يأتيهم من أي مكان.

في حال حدوث مواجهة في منطقة الخليج العربي، بين إيران من جهة والأساطيل والجيوش الأميركية من جهة أخرى، فإن المنطقة ستشهد انهيارات في العلاقات وتصدعات وشقوق اجتماعية واسعة وكوارث بشرية غير مسبوقة، بوجه خاص فإن صيغة التعايش السلمي البنّاء بين الجماعات والأمم والدول والأعراق والحكومات التي وصلت إلى حالة متقدمة من النضج والاستقرار ستتعرض لانتكاسات خطيرة وتصدعات لا يمكن رأبها على المدى القريب والبعيد.

بضربة واحدة من نوع الجوي أو البحري الخاطف سيلقي الرئيس الأميركي جورج بوش المنطقة في وضع جرح عميق دامٍ. الحكومات تلوم بعضها والأعراق والطوائف تعصف ببعضها ما استطاعت، والأحقاد والنزوات الشيطانية تبدأ تأخذ مكان التفاهم والتسامح والتصالح، وهكذا ستتكرر تجربة العراق المريرة في أجزاء جديدة من العالمين العربي والإسلامي.

للهرب من هكذا وضع أو مصير قاتم بات على الدول والحكومات والشعوب وزعماء الطوائف والأعراق النافذين أن يعودوا إلى رشدهم ويتقوا الله في مئات آلاف الضحايا الذين لا ناقة لهم في السياسة والحرب ولا جملاً. على الحكومات المحلية والإقليمية فتح قنوات اتصال وإنشاء خلايا أو لجان عمل تعمل على رأب أي صدع أو إصلاح سوء فهم يحدث في هذا الاتجاه أو ذاك.

لماذا يظل زمام الأمور ممسوكاً بأيدي أبواق إعلامية موجهة أو ما يطلق عليها معاهد استراتيجية مشبوهة يعمل أعضاؤها ليل نهار على إيقاع أنواع من الفتن بين الشعوب مستغلين فروقاً بين الإثنيات أقل من أن تعتبر حتى سطحية؟!.

جامعة الامارات

Nasrin@uaeu.ca.ea