لم يعد مستقبل العالم مرهونا فقط بنتائج الانتخابات في العواصم الكبرى وحدها أو اتجاه تحرك التعاملات في أي من بورصات العالم الكبرى فحسب، بل أصبح مستقبل العالم ــ حسب تقارير علمية كثيرة ــ مرهونا بشكل جزئي بأحوال الجبال!
ومن أمثلة هذه التقارير، تقرير علمي نيوزلندي مؤخرا حذر من أن أكبر جبل جليدي في البلاد، تتقلص مساحته بوتيرة متسارعة مؤخراً، نتيجة للتغيرات المناخية.
وقال الخبير مارتن بروك من جامعة »ماسي«، إن جبل »تازمان« الجليدي جنوبي نيوزيلندا، كان يبلغ طوله حوالي 18 ميلاً في عام 1990، وحسب قياسات جديدة، فإن طول المنطقة الجليدية تقلص إلى 14 ميلاً فقط. كما ظهرت بحيرة تشكلت عند حافة الجبل الجليدية، بلغ طولها 4.4 أميال، بينما بلغ عرضها 1.2 ميل، ويصل عمقها إلى نحو 800 قدم، بحسب تلك القياسات.
وهذه الأهمية التي احتلتها بعض الجبال مؤخرا لا تقتصر على الجبال الجليدية التي تمثل حالتها مؤشرا مهما على المستقبل المناخي للعالم بل امتد ليشمل جبالا أصبحت في بؤرة الحدث السياسي العالمي بعد أن كانت »المدينة« قد انفردت بهذا الموقع المتقدم لقرون طويلة.
وهذا التقرير والتقارير المشابهة تهتم اهتماما شديدا بالجبال الجليدية ومعدل ذوبانها والجبال الصخرية التي يتراكم الجليد على قممها، حيث تصل النتائج المتوقع ترتبها على ذوبان هذا الجليد حد تغيير الخرائط السياسية والسكانية في كثير من أنحاء العالم.
ومن بينها اختفاء دول (مثل جزر المالديف وبنجلاديش وغيرهما) واختفاء أجزاء كبيرة من دول أخرى. والظاهرة عودة لمفردات ظن كثيرون أنه ودعها بحيث أصبح التغيير الإرادي المخطط هو ما يحرك التاريخ، من عصر الصناعة إلى عصر ما بعد الصناعة... وهكذا.
لكن ذوبان الجليد ترافق مع كوارث بيئية صاعقة من أمواج التسونامي إلى إعصار نارجيس، وبها انتقل العالم من حالة كانت فيها المدينة تنفرد بتحريك التاريخ إلى حالة أصبح يشاركها فيها صناع آخرون من الطبيعة ولا قدرة لها على السيطرة عليهم. وذات يوم سيكون لجبال مثل تورا بورا نصيب من كتب التاريخ أكثر مما لعواصم دول صغيرة لم تؤثر في صنع الأحداث.
و»المدينة« مفتاح من أهم مفاتيح فهم التاريخ ومنذ شهد العالم الموجة العظمى من انتقال البشر من القرية للمدينة منذ بداية عصر الصناعة وهي الوحدة الأكثر تعبيرا عن التحولات في التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل التحولات في نمط العمارة.
وفيها ظهرت البنايات الضخمة وصولا إلى ناطحات السحاب، وفيها أيضاً ظهرت صناعة الترفيه كقطاع منظم سرعان ما توسع إلى تضخم هائل لقطاع الخدمات الذي من رحمه ولد قطاع المعلوماتية، وفي المدينة ولد »المول« والبورصة والمصرف وأصبحت السيارة وسيلة الانتقال و..... وتغيرت حياة الإنسان لينفصل أكثر عن الطبيعة ويلتصق أكثر بالعالم المنظم بشكل صناعي مخطط مسبقا.
وكما أن مفهوم المدينة قد تبلور في اليونان فإن الصلة بينها وبين الجبل انعقدت هناك أيضا، يعتقد البعض أن دورات الألعاب الأولمبية القديمة قد أقيمت لتمجيد الإله »زيوس« رب الأرباب في الأساطير اليونانية القديمة، وكانت تقام على سطح جبل »أوليمب« المقدس الذي كان اليونانيون يعتقدون أنه مقر الآلهة.
وفي هذه المدينة كان التاريخ يصنع واتجاهه الرئيس يتحدد وكانت العواصم قمة تنظيم هرمي وعزز ظهور الدولة القومية الحديثة دورها وأهميتها. والمدن لم تنفرد – لا قديما ولا حديثا – بصناعة التاريخ، لكن الجديد عودة الظواهر بعض الطبيعية لتلعب دورا تاريخيا، أو على الأقل لتكتسب شهرة لا تقل عن شهرة العواصم الكبرى!
والحضارة التي نشأت بجوار الأنهار حسب أكثر النظريات شيوعا في فلسفة التاريخ تتأثر هذه الأيام بشكل غير مسبوق بـ »الجبال«، فلأول مرة تتجه عيون العالم إلى الجبال الجليدية وسلاسل الجبال التي تتراكم على قممها الثلوج، فقد أصبح معدل ذوبان الجليد عليها مؤشرا تكترث له العواصم الكبرى كونه مؤشرا على خطر داهم هو خطر ذوبان الجليد وما يشكله من مخاطر عالمية.
والجبال حاضرة أيضاً في الصراعات السياسية والعسكرية فقد دفعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر جبال تورا بورا لواجهة المشهد الإعلامي العالمي لفترة غير قصيرة. ففي هذه الجبال يرجح أن أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وعدد من قيادات تنظيم القاعدة يختبئون فيها، وبالتالي حلت هذه السلسلة الجبلية الوعرة محل موسكو في نشرات الأخبار الأميركية لكونها أصبحت ندا لواشنطن العاصمة الأهم في العالم!!.
وعندما ارتفعت درجة حرارة الحدود العراقية التركية بسبب العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني كان البطل الحقيقي جبلا وعرا يقع في أقصى شمال العراق هو جبل »قنديل« الذي يوجد فيه مسلحو هذا الحزب. والجبال كانت على حدود الدول كانت سببا للأمن فسلاسل الجبال كانت في نظر العسكريين في حالات كثيرة من آليات الدفاع عن الأمن القومي.
وقديما استطاع الحسن بن الصباح زعيم جماعة »الحشاشين« السيطرة على »قلعة الموت« التي كانت مشيدة على قمة جبل منيع في إيران، ومن هذا الجبل استطاع أن يروع العالم لسنوات بالاغتيالات العسكرية، وفي مرحلة تالية شكل جبل طارق في أسبانيا مفتاحا للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط وهو البحر الأكثر أهمية طوال العصور الوسطى لحركة التجارة وخرائط الحرب معا، ولذا احتلته بريطانيا وما زالت تحتله حتى الآن!.
كاتب مصري
