عندما نختلف كبشر بتعدد عقائدنا وقومياتنا وحضاراتنا ومصالحنا فليس أمامنا سوى التفاهم أو التصادم، ولأننا مجبرون على العيش المشترك وتحقيق المصالح المشتركة، سواء داخل الوطن الواحد أو الإقليم الواحد أو العالم الواحد لا فرق.. يكون التفاهم بوضع كل طرف نفسه مكان الآخر هو ضرورة الضرورات.
وحينما تشتد الخلافات بين أطراف الأمة الواحدة العربية والإسلامية، أو بين القوى السياسية في الوطن الواحد، أو نصبح أمام أحد بديلين إما الحوار أو الانفجار، فلا خيار أفضل ولا أعقل أمام المختلفين سوى الحوار وصولا إلى التفاهم، لأن البديل الآخر هو الانفجار الذي يصيب الجميع،الرافضين للحوار قبل الداعين إليه.
ولأن الجميع مهما اختلفوا في المبادئ والمصالح والأهداف مصلحتهم أكيدة في التفاهم بدلا من التصادم، وفى التعاون المشترك لتحقيق الأهداف المشتركة خاصة في الوطن العربي الواحد الصغير والكبير، يبدو الحوار السياسي هو البديل الوحيد المعقول والمقبول عن المواجهة أو الاقتتال،وصولا إلى الأرض المشتركة للوقوف عليها معا تحت مظلة الوحدة الوطنية بالشراكة لا بالاستئثار، وبالتراضى لا بالإجبار.
ولا نستطيع الآن إلا أن نرحب بكل ماجرى أخيرا من تطورات إيجابية في مسار الجهود العربية لحل الأزمة اللبنانية والتي حققت في يومين ما بدا غير ممكن، والتي توجها موافقة جميع الأطراف على استئناف الحوار الوطني اللبناني بالعاصمة القطرية الدوحة، بما يمثل اختراقاً كبيراً في جدار الأزمة يقطع الطريق على المحاولات الصهيو أميركية لتدويل الأزمة أو تفجير لبنان، وهو ما نتفاءل به كثيرا ولكن مع الحذر.
ومع أن الذي فتح الباب لهذا الاختراق بعودة الحوار للتوافق على حكومة الوحدة الوطنية وعلى قانون الانتخابات الجديد بعد أن تم التوافق فعلا على الرئيس اللبناني الجديد وفقا للمبادرة العربية، هو المعادلة الجديدة لميزان القوى على الأرض اللبنانية وإدراك جميع الأطراف أن البديل للتفاهم والحوار السياسي هو انفجار عسكري الكل فيه خاسر والكل فيه مغلوب لبنانيا وعربيا..
فلا نستطيع مع عودة الحوار الوطني قبول الانجرار في مساجلات إعلامية لن تسهم في إنجاح الحوار حول من الغالب ومن المغلوب، ومن الكاسب ومن الخاسر، الموالاة أم المعارضة، لأننا نريد الكل في لبنان غالبا والكل في لبنان وسائر الأوطان العربية كاسبا، ولا نريد بعد هذا النجاح لطرف وطني أو عربي أن يكون خاسرا أو مغلوبا.
ولأن قرار منع الوحدة العربية ومنع الوحدة الوطنية هو قرار أميركي إسرائيلي ليس في لبنان فقط وإنما أيضاً في فلسطين والعراق والصومال والسودان واليمن وسائر مواقع المواجهة العربية والإسلامية مع المشروع الأميركي الصهيوني في الشرق الكبير.
.. ولأن منع الحوار الوطني أو إفشاله، يهدف إلى منع الوحدة الوطنية لتحقيق الأجندة وضرب أي مقاومة وطنية عربية أو إسلامية سنية في فلسطين أو شيعية في لبنان وشيعية وسنية في العراق ضد الاحتلال الصهيوأميركي ومحاولة إبعاد الدور العربي أو إبطاله أو إفشاله بتعميق الانقسام العربي هو هدف إسرائيلي وأميركي.
يكون ما قرره المؤتمر الوزاري في القاهرة من قرارات لا تدين طرفا في الموالاة والمعارضة اللبنانية وتستبعد أطراف الموالاة والمعارضة العربية من لجنة الوساطة حرصا على حيادها، وما قامت به اللجنة الوزارية العربية بمشاركة الإمارات العربية برئاسة رئيس وزراء قطر من إنجاز حتى الآن، هو أكبر خطوة إيجابية لتحدى اليأس الوطني والعربي، سعيا إلى الأمل العربي للوصول إليه.