الواضح من زخم التطورات السياسية الدراماتيكية الأخيرة التي تلاحقت قبيل وخلال وبعيد الذكرى الستين للنكبة الفلسطينية واغتصاب فلسطين، ان دولة الاحتلال جددت وصعدت هجومها الاستراتيجي على القضية الفلسطينية، لدرجة وصلت إلى ان تلك الدولة لم تعد تتحمل حتى سماع مصطلح (النكبة) ـ تصوروا.
لتعلن وزيرة الخارجية الإسرائيلية ان على الفلسطينيين أن يشطبوا من قاموسهم مصطلح(النكبة) و«أن عليهم أيضا إذا أرادوا دولة أن يتخلوا سلفا عن حق العودة إلى مناطق 48»كما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. لذلك ـ استتباعا واستنادا إلى ذلك وفي ذكرى ستينية النكبة نقرأ أهم الاستخلاصات المترتبة على أجندة النكبة واغتصاب فلسطين وحق العودة وحلم الاستقلال والدولة الفلسطينية:
ـ التوطين ـ الأخطر ـ فالحديث عن المشاريع المشبوهة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في منافيهم القسرية، كما هو حديث قديم تعود جذوره إلى ما قبل النكبة ـ الكارثة واغتصاب فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية.. فهو أيضاً حديث متجدد على مدار الساعة، بل يمكن القول انه احتل وسيحتل المحور دائما في كل مقترحات ومشاريع المفاوضات والتسوية، وعلى ذلك نوثق ان التوطين يصبح هو الأخطر على القضية الفلسطينية.. والأخطر على الوطن..
والأخطر على الشعب الفلسطيني.. والأخطر على الحقوق المغتصبة. ـ خطيئة التأجيل ـ كما يثبت لنا يوماً عن يوم، فإن المفاوض الفلسطيني ـ العربي ارتكب خطيئة بتأجيل بحث القضايا الجوهرية الأساسية كاللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والمياه والدولة الفلسطينية، واقترف خطيئة في عدم تثبيت وتكريس الحق العربي الفلسطيني المشروع في كافة هذه القضايا في إطار المباحثات والاتفاقيات المعقودة.
ـ صراع الأحلام والذاكرة التاريخية ـ ويوفر لنا المشهد السياسي العقيم المجرب على مدى سنوات عديدة كما يوفر لنا مشهد الانتفاضات المجيدة، استخلاصاً بالغ الأهمية الاستراتيجية يتمثل في أن الصراع وفق كافة المعطيات والأحداث التي تراكمت على مدى سنوات المفاوضات السابقة، إنما هو صراع أيضاً بين الأحلام العربية الفلسطينية التاريخية المشروعة في فلسطين باعتبارها عربية الجذور والهوية والمستقبل من جهة، وتلك الأحلام الصهيونية الاستعمارية الباطلة التي تحلم ب«أرض إسرائيل من النهر إلى البحر» من جهة ثانية.
ـ الاستراتيجية الإسرائيلية ـ ومرة أخرى نأتي لنتوقف أمام أهم خطوط الاستراتيجية الإسرائيلية إزاء قضية اللاجئين والملفات الكبرى أيضاً: فالادعاءات والذرائع الإسرائيلية دائماً: تاريخية وتوراتية وأمنية وديموغرافية، وطرق التهرب من الاستحقاقات دائماً: المماطلة والتسويف والتتويه، وتحويل البحث من القضايا والأمور الجوهرية إلى القضايا والأمور الهامشية أو الإجرائية أو التفصيلية.
ـ الإجماع السياسي ـ العدائي الإسرائيلي ـ وعلى خلاف السيمفونية الزاعمة بأن قيادة المجتمع السياسي الإسرائيلي تؤيد بغالبيتها «السلام وإنهاء نزاع القرن» مع الفلسطينيين والعرب، برهنت الحروب الإسرائيلية المتصلة على أن الإجماع السياسي الإسرائيلي قائم ومقولب على أساس رفض قرارات الشرعية الدولية حتى بحدودها الدنيا بكل ما يتعلق بالأرض والحقوق الفلسطينية مثل القدس واللاجئين والدولة الفلسطينية المستقلة السيادية.
ـ حقوق غير قابلة للاختزال ـ ولعل من أبلغ وأعمق الاستخلاصات التي كرستها حكاية النكبة الفلسطينية المستمرة هو ذلك الاستخلاص المتعلق بالحقوق العربية المشروعة في فلسطين والقدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين وغيرها، حيث أوضحت الجماهير الفلسطينية ومن خلفها الشعوب العربية أن الحقوق العربية المشروعة في فلسطين قائمة وراسخة ودائمة وغير قابلة للاختزال.
ـ الملف سيبقى مفتوحاً ـ والواضح في ضوء كل ما سبق ذكره، أن ملف اللاجئين الفلسطينيين، سيبقى من بين ابرز واهم الملفات المتراكمة مفتوحاً وساخناً ومتفاعلاً إن انتهى بفرض مشاريع التوطين على الفلسطينيين، والصراع سيبقى محتدماً إلى ما لا نهاية، أو إلى أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة تماماً، الأمر الذي يتعارض جذرياً مع خريطة الاحتلال واستراتيجياته.
ـ اللاجئون وأمن الشرق الأوسط ـ وبقاء ملف اللاجئين الفلسطينيين مفتوحاً متفاعلاً يغلي في مرجل الأحداث، سيكون له تداعياته أيضاً على مسائل الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط برمتها، فهذا الملف سيبقى الأكثر حساسية وتفجراً في أي وقت وفي أي مرحلة لو تم تمرير أي تسوية له لا تكفل الحقوق المشروعة للاجئين.
ـ فلسطين بين الحماية الدولية والحماية العربية ـ وفي هذا الصدد، لو كانت الصورة معكوسة، وكانت إسرائيل هي التي تطالب بالحماية الدولية أمام (الإرهاب العربي)، لسارعت الولايات المتحدة ليس فقط إلى تأمين الحماية الدولية والأميركية معاً لها، بل الأرجح أنها كانت لتعلن الحرب على العرب، وتتدخل بكامل ثقلها وترسانتها الحربية الاستراتيجية لحمايتها.
لكن ما دام الفلسطينيون والعرب هم الذين يطالبون بالحماية الدولية من الإرهاب الدموي الإسرائيلي، فليس للإدارة الأميركية آذان لتسمع النداءات والاستغاثات الفلسطينية، وليس للمجتمع الدولي قدرة على الإنصات والاستجابة لذلك، حيث لا ترغب الإدارة الأميركية بذلك.
ـ الخطاب الفلسطيني العربي ـ ونرى أخيراً أن الخطيئة التي اقترفها المفاوض العربي ـ الفلسطيني، بتأجيله بحث القضايا الجوهرية النهائية، وطرحها كقضايا متنازع عليها مع الاحتلال الإسرائيلي، يجب أن لا تستمر وأن لا يراكم فوقها المزيد من الأخطاء التي قد تؤدي في المحصلة إلى المزيد من الخطايا القاتلة للحقوق الفلسطينية المشروعة.
يستتبع ذلك من الفلسطينيين أولاً ثم من العرب ثانياً، وخاصة في أعقاب خطاب بوش التوراتي أمام الكنيست الإسرائيلي، مراجعة الخطاب الإعلامي السياسي التفاوضي ومراجعة أجندة الأولويات الفلسطينية العربية، لتكتمل وتتكامل بعد أن كانت أحادية ومسارية ومفككة وهزيلة حتى اليوم...!
كاتب فلسطيني
