ستون عاماً على النكبة...

واحد وأربعون عاماً على النكسة...

ثلاثون عاماً على كامب يفيد...

ستة وعشرون عاماً على صبرا وشاتيلا...

خمسة عشر عاماً على أوسلو...

خمسة أعوام على احتلال العراق...

أعوام تجري خلف أعوام ونحن نلهث خلفها، لا نكاد نقيم لمناسبة مأتما حتى تدركنا أختها، بينما نحن نجتر أحزاننا ونحصي خيباتنا ونندب حظوظنا، نتوقف عند بعضها ونتجاوز بعضها، والأعوام تمضي غير آبهة بنا.

لماذا تبدأ أحلامنا كبيرة ثم تتقلص وتضمحل حتى تصل إلى الحد الذي تتحول معه إلى كوابيس تقض مضاجعنا، فننفر من كل الأحلام لأننا نخاف المجهول، ولا نعرف ماذا يحمل لنا المستقبل وما الذي ينتظرنا؟

ليس ثمة جديد يمكن أن يقال أو يُضاف إلى الحديث عن النكبة أو النكسة أو غيرها من المناسبات التي تنغرس خنجرا في القلب، لكن هناك الكثير الذي يمكن أن يُحصى من نزيف الأحلام الذي لا يتوقف، وصرير الأقلام التي لا يكاد يجف حبرها حتى تكون الأحداث قد أسالت دماءً يصعب حصرها.

كانت مساحة أحلامنا رحبة، تعجز عن احتوائها اليابسة والماء، ويضيق بها على رحابته الفضاء، لكنها تقلصت إلى الدرجة التي أصبحت معها محصورة في لقمة عيش ورغيف خبز نسد به جوع يومنا، ونضمن به أن نبقى إلى غدنا. قلنا إن النكبة كبوة، واعتقدنا أننا جواد رابح لا يمكن أن يخسر حتى لو كبا بعد أن أقنعنا أنفسنا بأن لكل جواد كبوة، وراهنا على النهوض من كبوتنا، لكننا خسرنا الرهان والجواد والميدان معاً.

قلنا إن الأنظمة كانت رجعية وفاسدة ومستبدة، فأشعلنا الثورات من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، وهتفنا للثوار حتى بحت الأصوات وتجرحت الحناجر، ثم نمنا على المزيد من الأحلام لنصحو على المزيد من الآلام.

تكسرت الأحلام على صخرة الهزائم والخيانات والخيبات، واكتشفنا أننا لم نكن تقدميين كما أوهمونا، وتبين لنا أننا أصبحنا أكثر فسادا واستبدادا من تلك الأنظمة التي أزحناها، فغامت الدنيا في أعيننا حتى لم نعد نستطيع التفريق بين الحقيقة والخيال والوعود والآمال.

كنا نعتقد أن عدونا واحد، وكنا نظن أنه عدو مستورد، فإذا بنا نكتشف أن أعداءنا كثيرون، وأن أعدى أعدائنا من بني جلدتنا، فاختلط الأمر علينا ولم نعد نعرف الصديق من العدو، واحترنا إلى أي ناحية نوجه أسلحتنا.

كنا نعتقد أن هذه الأسلحة مبرمجة على صدور المعتدين، فإذا برصاصها يخترق صدورنا نحن الذي لم نتصور يوما أن يحصد منا رصاص الأشقاء أكثر مما حصد رصاص الأعداء، فبأي حديث بعد هذا يريدنا أن نؤمن أولئك الأدعياء؟

كنا نعتقد أن دماءنا خط أحمر غير مسموح بتجاوزه، فإذا بها أهون علينا من دماء أعدائنا، وأكثر إغراء لانتهاك حرمتها من قبل أخوة النضال، حتى أغرق نهر دماء الأشقاء شوارع مدننا وقرانا فخاضت فيه كل الأرجل بعد أن ولغت فيه كل الأيادي.

كنا نعتقد أن السلطة وسيلة للتحرير فإذا بالسلطة تتجه للتدمير بعد أن أصبحت غاية لا وسيلة، حتى كفرنا بكل المبادئ وما عادت تنطلي علينا كل الأكاذيب التي تمتلئ بها بيانات التراشق.

كنا نعتقد أن لدينا قضية محورية واحدة فإذا بنا نكتشف أن لدينا محاور لا حصر لها، وإذا بتلك المحاور تنسينا قضيتنا الأولى التي ما عاد لها مكان بين قضايا الدنيا التي غدت تشغلنا.

كانت شعارات النضال عندنا في قوة الكتب السماوية التي نتلوها للتبرك بها، وكان بعضها لدى بعضنا أكثر قداسة من تلك الكتب نفسها، فإذا بهذه الشعارات لا تساوي ثمن الورق الذي كتبت عليه ولا قيمة الحبر الذي كتبت به.

ستقولون: هذا خطاب تشاؤمي سئمنا ترديده.

ونقول: هل ثمة أمل والأرض تميد من تحت أقدامنا، وشعوب العالم كلها تتسابق لتهنئة أعدائنا بذكرى نكبتنا، بينما ننقسم نحن ونبحث عمن يخرجنا من النفق الأسود الذي قادتنا إليه خلافاتنا بعد أن أصبحت القرارات تصدر من خارج أرضنا؟

أي خطاب هذا الذي يمكن أن يعبر عن حالنا ونحن نتفتت يوما بعد يوم، ونتجزأ عاما بعد عام، ونتوارى خلف الأسوار وتحت الركام، ونحمل أوزار القادة والأحزاب وكل الآثام الموروثة من سالف العصور والأعوام؟

إن كان لديكم خطاب غير هذا فأدركونا به كي نخرج من هذا النفق المظلم بأقل الخسائر، هذا إن كان لدينا شيء نخسره بعد كل هذا الدمار الذي حل بنا.

إن كان لديكم شيء يجمعنا فأتونا به بعد كل هذا التشرذم الذي مزقنا إربا إربا بين سلطة شرعية وأخرى مغتصِبة، بين موالاة ومعارضة، بين سنة وشيعة، بين رجعية وتقدمية، بين غربية وشرقية، بين وبين وبين... إلى آخر القائمة التي لم نعد نرى أولها لكثرة ما توالى عليها من شعارات.

إن كان لديكم صورة غير التي نراها فأريحونا من هذا الكابوس الذي يجثم على صدورنا ويكتم أنفاسنا، يعذبنا آناء الليل وأطراف النهار وما بينهما من كل الأوقات المأزومة والملغومة والموسومة بالعجز، وكل تصاريف الدهر المخبوءة في لوح القدر المكتوب علينا.

نعجب من كل الأقلام التي استطاعت أن تخط حرفا في ذكرى النكبة، فدقيقة صمت كانت كافية كي نسمع أصوات الرصاص الذي ما زال يدوي في شوارع بيروت وغزة وبغداد وبقية مدننا العربية التي نتقاتل فيها نحن أصحاب القضايا المتعددة بعد أن ضيعنا قضيتنا الأولى وجئنا نتباكى في ذكرى النكبة والنكسة والخيبة وكل الأوجاع المخزونة في الذاكرة، الموضوعة فوق الرف، نتناول جرعة منها كلما عنّ لنا أن نوقظ جرح القلب الدامي، إن كان ثمة أمل في اليقظة من هذا السبات الذي لا تبدو له في الأفق نهاية.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com