قادة فريق «14 آذار» في لبنان عادوا إلى مائدة الحوار مع المعارضة بعد أن هدأت الأزمة نتيجة المساعي العربية. وما كان أغناهم جميعاً عن هذه الحال لولا التدخلات الأجنبية في المسألة اللبنانية. ومع ذلك فإن إدارة بوش إذا دفعت إلى إشعال معركة ضد قوى المعارضة خاسرة سلفاً فإنها نأت بنفسها عندما رأت الأزمة تشتعل في غير صالحها وضد ما خططت له.
انظر في المشهد اللبناني الأخير وتأمل في ملامحه وعناصره جيداً لتكتشف أنه لولا التدخل الأميركي على خط الأزمة اللبنانية المخضرمة لانحصر الصراع بين «الموالاة» والمعارضة في التنافس التقليدي السياسي على السلطة وبالتالي لكان من السهل على الفرقاء التوصل إلى صيغة للحكم تكون مرضية للجميع بوسائل الأخذ والعطاء والمساومات السياسية المعهودة في مثل هذه الأحوال.
ومما كان سيضاعف من هذه السهولة أنه للمرة الأولى يخلو التصارع الداخلي اللبناني من عنصر الانتماءات الطائفية الدينية المتضادة. فالاصطفاف على الجانبين انتظم هذه المرة على نحو سياسي بحيث إن فريقاً مسيحياً صار ضد فريق مسيحي آخر، وفريقا إسلاميا ضد فريق إسلامي آخر. هكذا جاء التدخل الأميركي ليضفي على حالة الصراع السياسي بُعداً ثالثاً لأن واشنطن تريد فرض أجندة خارجية تتصل بأمن إسرائيل.
وكاستجابة لهذه الأجندة اشتعلت أوار المعركة الأخيرة بعد استهداف شبكة الاتصالات الهاتفية التابعة للمقاومة المتمثلة في «حزب الله» غير أن الحكومة لم تكن مستعدة لرد الفعل القوي من جانب المعارضة التي اشتعل غضبها. كانت تقديرات البعض مبنية على مراهنة بأن الولايات المتحدة ستتدخل بحزم في اللحظة الحرجة. لكن كان لواشنطن، في ما يبدو، حسابات أخرى. فامتنعت عن التدخل.
صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فضحت القصة. فقد قالت إنه على مدى أشهر الأزمة السياسية اللبنانية عارضت إدارة بوش أية محاولات للتفاوض مع المعارضة للتوصل إلى حل وسط، لكنها في الوقت نفسه لم توفر للموالاة السند العسكري والسياسي اللازم.
وقالت الصحيفة إن أنصار الحكومة اللبنانية عندما اشتعلت المعركة القتالية لم يتلقوا من واشنطن سوى عبارات التأييد اللفظي فقط. الآن يأتي قادة فريق «الموالاة» إلى مائدة التفاوض للتحاور مع الطرف الآخر في موقف ضعيف بينما يأتي فريق حزب الله والمعارضة وهم في موقف قوي.
وبغض النظر عن نتائج التفاوض فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل استخلص الجميع الدرس المناسب من تجربة ارتهانهم للأجندات الأجنبية؟