قطار الحوار اللبناني الجاري في العاصمة القطرية، يواصل شق طريقه ولو ببطء السلحفاة. مع ذلك، هذا مؤشر إيجابي. الأمور في الأزمة ـ المحنة اللبنانية، لا تقاس بمعايير السرعة. حصول الحوار بحدّ ذاته، تطور إيجابي. استمراره، دليل نية في العثور على خطوط مشتركة. ثم إن الأجواء، حتى الآن، أوحت بقدر من التفاؤل.

طبعاً بالقياس على ما كانت عليه أجواء بيروت، قبل أقل من أسبوع. الفجوة بين الأطراف اللبنانية عميقة، كما لم يسبق لها أن كانت من قبل. أهمية مؤتمر الدوحة، في ضوء مناخاته السائدة حتى اللحظة، أنه قد يكون البداية في عملية ردم هذه الفجوة. وهي لا شكّ أنها ستكون طويلة وشاقة وغير خالية من المطبّات القاسية.

التحدّي يكمن في اجتناب الانهيار وجعله من الممنوعات. حوار الطاولة المستديرة بين اللبنانيين، مقطوع منذ أكثر من سنة ونصف. مدة كانت كافية لمراكمة احتقانات، محكومة ببلوغ نقطة الانفجار الأخير. محاولات ووساطات كثيرة جرت، من غير أن تقوى على التقريب. الساحة وقعت أسيرة التباعد المتمادي. حروب التراشق والشروط التعجيزية، كادت تقضي على البقية الباقية من الكوابح، في المعادلة اللبنانية.

طبعاً ليؤتي الحوار ثماره، لا بدّ وأن يكون هادفاً وتحت سقف زمني، ولو تقريبي. الحالة اللبنانية لا تقوى على الانتظار المفتوح. طبيعتها لا تحتمل ذلك. وأيضاً عمرها. منذ ثلاث سنوات وهي تجرجر. والبلد بلا رئيس منذ أواخر نوفمبر الماضي.

وخلال هذه الفترة كانت السحب السوداء تتجمع في الأفق؛ من تصعيد إلى احتكاكات وارتفاع في حدّة الخطاب المتبادل؛ وأحياناً صدامات كانت بمثابة الإنذار المبكر. مرّت كلها من دون حصول تزحزح يستجيب للأخطار الكامنة. فاتت فرص وسقطت مبادرات، كان يمكن أن تشكل مخرجاً ما.

لعبة العض على الأصابع تجاوزت حدود الهدف منها. حدود حمل الآخر على الصراخ أولاً. ذهبت إلى أبعد وأخطر من ذلك بكثير. كادت أن تنقطع أصابع البلد، مرة واحدة. الأحداث الأخيرة، حملت من الدروس ؛ بقدر ما اختزنته من أخطار مدمرة. أن الوضع اللبناني محكوم ومشروط بالتفاهم.

الإملاء لا مكان له. الشطب والإلغاء والاستئثار، عملة يتعذر صرفها. اسم اللعبة: مشاركة وطنية. اسمها الأوضح: توازن. فهذا أوكسجين المعادلة في لبنان. مهما كان الغبن يبقى أرحم من السقوط في نفق محنة كاد لبنان أن يقع في شدقها، مؤخراً.

مثل هذا الوقوع لا يبقي ولا ترجح معه كفة أحد. وربما كانت هذه الحقيقة التي برزت من خلال هدير العاصفة، هي التي حملت الفرقاء على تهيّب الأمر والذهاب إلى الدوحة. وهو الخطة المصيبة الأولى. تبقى النتائج. وإذا كان من المبكر توقع اختراقات حلول فعلى الأقل إحراز حلحلة؛ شرط أن تكون من نوع «وللحديث صلة»؛ وليس فقط هدنة جامدة. فهذه تبقى قنبلة موقوتة.