الرئيس بوش لم يضع قاعدة جديدة، في التعامل الأميركي، مع العرب وإسرائيل.هي موجودة ومعمول بها منذ زمن. ما فعله، أنه ذهب في ممارستها إلى الحدّ الأقصى. ضرب الرقم القياسي في ترجمته لها. جاء إلى إسرائيل، ليشاركها احتفالاتها الستينية، فأعطاها ما لم يتكرم أحد من أسلافه عليها، به. أهداها البيت الأميركي كله. ليس بسلاحه وماله، كما جرت العادة؛ بل أيضاً بأهله، هذه المرة.

وعندما انتقل إلى المنطقة، ما كان في جعبته،كالمعتاد، سوى رزمة من الطلبات، الاقتصادي منها والإقليمي؛ والتي لا تخدم في شيء المصالح العربية. وكأنه عازم، قبل أشهر من مغادرته للبيت الأبيض،على تثبيت معادلة جديدة مفادها: كل شيء لإسرائيل، وكل شيء من العرب.

مفاتحة الجانب العربي بالمطالب،أو بالأحرى بالمطلوب منه، تمرين أميركي مزمن. القائمة طويلة. تتناول أساساً إسرائيل. والمطالب هنا لا سقف لها، من وجوب الاعتراف بها والتفاوض معها حول سلام مفصّل على قياساتها.

واكب ذلك باستمرار دفق متواصل للمساعدات الغزيرة والدعم اللا محدود، لها؛ الذي كان شعاره، جهاراً، تأمين التفوق النوعي لإسرائيل، على جميع أعدائها. كل ذلك عملت واشنطن على تسويقه تحت يافطة «خصوصية العلاقة» التي تربطها بإسرائيل؛ وأن على العرب تفهّم هذا الأمر.

وأمس الأول، في خطابه أمام الكنيست والذي اعتبره فرصة تاريخية، قال الرئيس بوش كلاماً، لو جرى قشط زبدته لكانت كلمة واحدة: تحريض. فعندما يتحدث قائلاً بأن إسرائيل «جزء عضوي من الولايات المتحدة الأميركية»؛ وعندما يؤكّد لها بأن الثلاثمئة مليون أميركي سيكونون إلى جانبها، في مواجهتها مع خصومها ـ ولو أنه وضع هؤلاء الخصوم تحت اسم الإرهاب والشر ـ.

وحين يخاطبها بالمناداة، ليؤكد وقوف أميركا إلى جانبها بحيث «لن يكون هناك سقوط آخر للمسادا»؛ عندئذ يخرج الكلام عن حدود التطمين، ليدخل في مجال التأكيد لإسرائيل بأن بإمكانها التعويل على واشنطن، كائن ما كانت السياسات والممارسات التي تعتمدها وتراها مناسبة لها.

إنها دعوة مبطّنة لاستمرار تل أبيب في غيّها وعدوانيتها. على الأقل هكذا سيفهمها الإسرائيليون. يتحدث الرئيس بهذه اللغة وبالفم الملآن، وفي نفس الوقت، يلتفت إلى العرب ليسقيهم كلاماً آخر، لا يقبل الصرف في أية بورصة سياسية أو واقعية، من نوع أن السلام لا يزال «ممكناً» خلال المتبقي من العام الجاري!.

ليس ذلك فحسب، بل ليطالبهم بضخ المزيد من النفط؛ علّه يؤدي إلى هبوط الأسعار. وهو يدرك أن المعروض في السوق يكفي لمواجهة الطلب ويزيد. كما يدرك أيضاً، أن جنون الأسعار تكمن أسبابه في مكان آخر، يؤكّد الخبراء أنه ليس في شحّ مزعوم للإنتاج.