في عام 1964 ـ بعد بضعة شهور من إنشاء «منظمة التحرير الفلسطينية» وست سنوات من إنشاء فصيل «فتح» ـ جرى لقاء في الجزائر بين خليل الوزير أحد كبار مساعدي ياسر عرفات آنذاك ورمز الثورة العالمية تشي جيفارا.
وفي روايته عن هذه الواقعة قال خليل الوزير لاحقاً: كانت تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها جيفارا عن فلسطين. كان مندهشاً من أننا لم نبدأ ثورتنا المسلحة بعد. وقال لنا إننا إذا بدأنا كفاحاً مسلحاً فإننا سنتلقى على الفور تضامناً من كوبا».
ذلك اللقاء كان على هامش مؤتمر كبير لقيادات حركات التحرير في العالم ابتدره ونظمه الرئيس الجزائري آنذاك هواري بومدين، ولكن لا جيفارا ولا قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو تلقى أي تجاوب من زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لإقامة علاقة نضالية تنظيمية.
هكذا لم يكن لأسلوب الكفاح المسلح أولوية لقيادة المنظمة الفلسطينية، فقد كان الطابع الغالب ـ ولا يزال ـ هو أسلوب العمل الدبلوماسي الممتزج بالعمل الإعلامي وفن العلاقات العامة، وهذه هي الخطيئة العظمى للمنظمة، لكنها كانت خطيئة حتمية منذ الوهلة الأولى لتكوين المنظمة.
فقد أريد لها أن تنشأ في الخارج بعيداً عن الأرض المحتلة وأهلها، وبالتالي بعيداً عن الاحتكاك اليومي مع سلطة الاحتلال وقواته. لقد فرضت ضرورات العمل الدبلوماسي السلمي للمنظمة خارج الأرض المحتلة أن تتوخى الحذر في التعامل مع الأنظمة الحاكمة في العالم العربي إلى درجة المراهنة والمساومة حتى تبقى على قيد الحياة بضمان استمرار تلقي تبرعات مالية منتظمة من تلك الأنظمة.
وعلى هذا المنوال كان من الطبيعي أن تنأى قيادة المنظمة بنفسها عن منظمات المعارضة العربية وعن حركات التحرر والأنظمة الراديكالية في أنحاء العالم، وهكذا كان من المحتم أن ينتهي بها هذا الطريق إلى محطة أوسلو التي كان على رأس تداعياتها أن تجهر رسمياً بالتخلي نهائياً عن الكفاح المسلح حتى ولو على المستوى النظري.
وفي هذا السياق قال الزعيم الفلسطيني الراحل جورج حبش: تحرير الأرض لن يتحقق بالمناورات السياسية وإنما بجعل إسرائيل تقتنع بأنها تخسر وستستمر في الخسران إلى أن نستطيع أن نفرض عليها الحقائق المتعلقة بالحقوق الفلسطينية.
وهذا لن يأتي إلا بالمقاومة المسلحة. اتفاق أوسلو مضى عليه حتى الآن 15 عاماً، والنتيجة في عهدي عرفات وأبومازن هي أن التنازلات الفلسطينية التي قدمت لا تستقبل من الجانب الإسرائيلي إلا بإلحاح على المزيد من التنازلات والشروط، بحيث أضحت السلطة الفلسطينية تساعد السلطة الاحتلالية في قمع فصائل المقاومة الوطنية.