تتجه الانظار الى الدوحة ، التي تحتضن مؤتمر الحوار اللبناني ، بعد أن نجحت في احداث اختراق كبير في الأزمة اللبنانية تمثل في موافقة فريقي المعارضة والموالاة على المباشرة في الحوار الذي ترعاه الجامعة العربية بعد نجاح وفدها برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم ال ثاني في تحقيق انفراج في الازمة تمثل في عودة الحكومة عن قراريها بشأن شبكة اتصالات حزب الله واقالة رئيس جهاز امن المطار واعلان المعارضة عن انهاء العصيان المدني وفتح الطرق الى المطار وانهاء كافة المظاهر المسلحة.
الحوار الذي التأم في الدوحة أمس كما هو مقرر يعقد على مستوى القيادات ، ويبحث في موضوعين رئيسيين هما:
حكومة الوحدة الوطنية ، وقانون الانتخابات حيث ان انتخاب العماد ميشيل سليمان قائد الجيش ، رئيسا للجمهورية ، هو محل اجماع بين كافة الاطراف.
اهمية هذا الاجتماع انه جاء بعد اندلاع اشتباكات مسلحة بين المعارضة والموالاة ، ذهب ضحيتها 65 قتيلا ، ونحو 200 جريح ، ونكأت الجراح اللبنانية ، وهي تذكرها بالحرب الاهلية القذرة ، التي امتدت قرابة خمسة عشر عاما وأدت الى مقتل عشرات الالاف ، وتدمير الاقتصاد وتحويل لبنان الى ساحة خلفية للصراعات الاقليمية والدولية.
ومن هنا اعتبر المراقبون عقد هذا الاجتماع في الدوحة بمثابة الفرصة الأخيرة للفرقاء ، محذرين من ان الفشل سيعني انفجار الوضع ثانية في لبنان والمنطقة وما يترتب على ذلك من تداعيات كارثية تساهم في تعميق الخلافات العربية ـ العربية ، وتصب كلها في النهاية في صالح عدو الامة اسرائيل.
لا نريد أن نستبق الاحداث ، ولكن لا بأس من استعراض جملة من المؤشرات تصب في امكانية نجاح المؤتمر ، ومنها أن الدوحة حققت نجاحها الدبلوماسي هذا ، بعد مصالحة مع السعودية عقب سنوات من التوتر ، فيما أكد أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى ، ان اللجنة الوزارية التي شكلتها الجامعة العربية ، وترأستها قطر «تشكلت بمباركة من الجميع وعلى رأسهم السعودية ومصر».
الى جانب ذلك فتصريحات فريقي الموالاة والمعارضة ، وسرعة استجابتهما لاقتراحات لجنة الوساطة وخاصة الغاء الحكومة للقرارين موضع الخلاف ، واستجابة المعارضة بالغاء الاعتصام ، يؤشر كل ذلك ، الى ان الجميع معني بنجاح الحوار ، بعد أن تأكد الطرفان أن الخاسر الوحيد هو لبنان واللبنانيون ، وان بقاء الأزمة والتي مضى عليها ثمانية عشر شهراً ، أسهم في زيادة الاحتقان ، وتدهور الاقتصاد والأوضاع المعيشية ، وأعطى القوى المعادية الفرصة للتدخل في الشأن اللبناني.. مما أدى في النهاية الى انفجار الوضع ، وبصورة مأساوية ، تهدد لبنان والمنطقة بالعودة الى جحيم الحرب الأهلية.
الى جانب ذلك ، فالتجربة المريرة التي عانى منها لبنان طويلاً ، أكدت لكافة اللبنانيين بأن الحوار هو السبيل الوحيد ، وأن تغليب لغة العقل والمنطق هو الكفيل بنزع فتيل الاحتقان ، والعودة الى التعايش السلمي الذي جربه لبنان طيلة ستة عقود ، وثبت أنه الوحيد القادر على الحفاظ على وحدة لبنان واللبنانيين ، وحماية الديمقراطية والتعددية والسلم الأهلي.
صفوة القول ، أن الاحداث المأساوية التي عصفت بلبنان واللبنانيين تحتم على الموالاة والمعارضة ، ومن منطلق مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية اعتماد الحوار كخيار وحيد ، لانقاذ لبنان ، والعودة الى صيغة «لا غالب ولا مغلوب».
