عندما يكون الحديث عن القضية الفلسطينية فإن أحدا لا يمكن أن يزايد على ما قدمته مصر لهذه القضية, فتضحيات مصر وجهودها من أجل أشقائها الفلسطينيين غير قابلة للمزايدات, والذين يسعون لتحقيق مصلحة للشعب الفلسطيني بحق يعرفون هذه الحقيقة المبدئية.
لا أحد يعمل لإنجاز هدف رفع المعاناة عن الفلسطينيين كما تعمل مصر, وفي أحلك الظروف لا تجد من يتصدى للإنقاذ إلا مصر, شاء المزايدون أم لم يشاءوا, هذا قدر مصر وواجبها ولن تتخلى عنه أبدا, وخلال الأسبوع الحالي ستأتي إلى مصر الوفود التي تمثل التنظيمات الفلسطينية المختلفة لتجلس معا لمناقشة كيفية تحقيق التهدئة مع الجانب الإسرائيلي, ومعروف أن الوزير عمر سليمان كان قد اجتمع منذ عدة أيام مع المسئولين الإسرائيليين الكبار لبحث كيفية تحقيق هذه التهدئة, واستمع منهم إلى وجهات نظرهم,
وهذا الأسبوع ستستمع مصر إلى وجهات نظر الأطراف الفلسطينية سعيا للوصول إلى اتفاق بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على الصيغة التي يقبلها الطرفان لإنجاز هذه التهدئة, وصولا إلي إنهاء الحصار المفروض على أشقائنا في غزة, وفتح المعابر, ووضع حد للاعتداءات الإسرائيلية التي تذهب من جرائها أرواح بريئة لا ذنب لها.
وبطبيعة الحال, وكما هو الأمر في أي صراع بين طرفين, فإن لكل طرف من الأطراف أجندته الخاصة به, ومطالبه, وشروطه, ويكون من الضروري أن يبلغ كل طرف الطرف الآخر ما يريد, ثم تبدأ عملية المفاوضة لبلوغ صيغة يقبلها الاثنان, وما تفعله مصر الآن هو إتاحة الفرصة وتهيئة الظروف ليسمع كل طرف الطرف الآخر.
وغير خاف على أحد أن الجانب الإسرائيلي طرح تصوره وشروطه وأعلنها للجميع, وهذا ما فعله أيضا الجانب الفلسطيني ردا علي هذا التصور الإسرائيلي, ثم قامت مصر بدورها بطرح رؤيتها, وتحدثت المصادر في إسرائيل إلي وسائل الإعلام بأن الرؤية المصرية لاقت ارتياحا لدى الإسرائيليين, وأن الاتجاه الغالب الآن عندهم في إسرائيل هو التجاوب مع هذه الرؤية المصرية, كما أن الأطراف الفلسطينية هي الأخرى أعلنت ترحيبها بهذه الرؤية, وتتمحور الرؤية المصرية حول عدة أهداف علي رأسها ضرورة وضع حد علي الفور لمعاناة الأشقاء الفلسطينيين في غزة من خلال رفع الحصار, وإعادة فتح المعابر بين الأراضي الفلسطينية والخارج حتي يتمكن الفلسطينيون من التزود باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء والوقود والعلاج.
إن هذا الهدف هو مطلب أولى وأساسي يجب إنجازه في أسرع وقت ممكن قبل الدخول في تفاصيل الموضوعات الأخرى. إن التهدئة في حد ذاتها تعني رفع المعاناة اليومية عن الفلسطينيين حيث لا يمكن الحديث عن الأهداف الأكبر بينما المواطن العادي المسكين لا يكاد يجد طعامه ولا علاجه!
ولاشك أن الأخوة الفلسطينيين, وهم يأتون إلى شقيقتهم مصر, يدركون أن مصر تعرف جيدا المصلحة العليا للفلسطينيين, وأنها تسعى بكل جهدها للوصول إلى التسوية النهائية التي تعيد كامل الحقوق لأصحابها, ويعرف الفلسطينيون قبل غيرهم أن مصر لن تفرط أبدا في تلك الحقوق, وعلى رأسها الحق في إقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأرض الفلسطينية بما فيها القدس.
لا تفريط أبدا في هذه الحقوق, لكن المهم الآن تهدئة الأوضاع على الأرض حتى يمكن بدء مفاوضات جادة لاستعادة هذه الحقوق, وقد يتحدث البعض عن أن التهدئة ليست مطلبا في ذاتها, بل المهم هو مفاوضات الوضع النهائي, وطبعا لهذا الرأي وجاهته, لكن سيكون السؤال: وكيف نتفاوض ونحن نرفع السلاح في وجه أحدنا الآخر؟ تعالوا نهدئ الأوضاع أولا على الأرض ثم نجلس لنتفاوض! وهذا ما يقتضيه العقل والمنطق.
على أي حال ستجلس الأطراف الفلسطينية على الطاولة وستناقش, وستنقل مصر ما اتفقوا عليه إلى الجانب الإسرائيلي, وسنرى مدى صدق الإرادة لدى كل الأطراف, فقط عليهم جميعا أن يعرفوا أن الفرصة سانحة الآن للاتفاق وليس من المصلحة تضييعها!
