أخبرتني صديقة عربية ـ ذات مرة ـ عن موقف تعرضت له في بحثها عن وظيفة، وعلى الرغم من أنها تحمل شهادة عليا في تخصص نادر، لم تتردد في الاتصال برقم هاتف التقطته من إعلان يطلب صاحبه «سكرتيرة»، فاتصلت علها تحصل على الوظيفة لتتمكن من خلالها من تأمين دخل وإقامة.
ذكرت أنها اتصلت بالرقم هذا وأرقام كثيرة لوظائف عدة، لكنها وجدت على الطرف الآخر كل شيء إلا وظيفة «محترمة» تستطيع من خلالها العيش بكرامة دون ابتذال ودون تقديم تنازلات، لكن هيهات، فمعظم الأرقام يطلب أصحابها مقابلتها في «الكافيه» الفلاني و«المطعم» العلاني «فلا أماكن محددة ولا مكاتب لأصحاب العمل هؤلاء»، بل ـ قالت ـ إنها وصلت لقناعة أن تلك الإعلانات ليست إلا لأغراض أخرى وغايات في نفوس فئة من الناس للإيقاع بضحايا تبحث عن مصدر رزق، تجد نفسها تحت وطأة الحاجة قد وقعت فرائس في براثن ذئاب تدعي الحق عبر إعلانات يومية لا تكلفها كثيراً عبر أرقام هواتف نقالة ربما تعود لأشخاص آخرين لا علاقة لهم بالمعلنين أنفسهم.
والحق أن ليس إعلانات طلب الوظائف وحدها التي تشوبها التساؤلات وعلامات الاستفهام، بل يعلم الله وحده كم التجاوزات الأخلاقية والمخالفات التي تقع بين ظهرانينا بسبب هذه الإعلانات التي تنشر في صحفنا بلا رقابة.
فكم من أرواح راحت ضحايا إعلانات ظهرت في الصحف حول عمليات جراحية وعقاقير طبية وأعشاب وغيرها ادعى أصحابها قدرتها على العلاج والشفاء، ولم ينل اللاهثون وراءها سوى خسارة الروح والجسد والمال، وكم من دمار حل بأسر جراء هذه الإعلانات التي خلفت وراءها الكثير من المآسي، ولعل جريمة «المدلك» الأخيرة التي تمت في دبي.
ولم تتمكن السلطات الأمنية في دبي والشارقة إلا بعد شهر من إلقاء القبض على المجرم وقد فر بجريمته، دليل على خطورة ما يحدث في البلاد جراء هذه الإعلانات، فالقتيل لم يعرف القاتل المدلك إلا عبر إعلان نشره الأخير في صحيفة أو مطبوعة من المطبوعات الإعلانية المجانية التي نتلقاها صباح كل جمعة على أبواب بيوتنا، يعرض فيه مهاراته في التدليك ووضع رقم هاتفه، اتصل به القتيل يطلب «المساج» فإذا به وهو منبطح على ظهره يتلقى من مدلكه ضربات قوية على رأسه أودت بحياته وفر بما وقع تحت يديه من نقود.
نحمد الله أن السلطات تمكنت من التوصل إليه والقبض عليه، وإن طالت مدة بقائه شهراً حراً طليقاً بعد أن أزهق روحاً بريئة من أجل دراهم سال لها لعابه، فما تردد في ارتكاب الجريمة التي ربما أصبحت بداية لجرائم مماثلة يرتكبها ضد أشخاص يلتقيهم عبر إعلان صغير لجريمة كبيرة، دون أن يخلف وراءه ما يستدل عليه ويكشف هويته، فهو ليس من المترددين على الضحية، بل ربما لم يلتق به سوى مرة واحدة تكون كافية لإنهاء حياته.
نرى والحال أصبح كذلك أن تكون هناك إجراءات أكثر تشدداً في مسألة الإعلانات هذه سواء بالنسبة للصحف اليومية أو حتى المطبوعات الإعلانية المجانية، ولا يكون في وسع المعلن الإعلان عما شاء هكذا من غير رقيب، فما الداعي لعروض شخصية في مدن فيها العشرات من مراكز التدليك والمساج وآلاف مراكز التجميل وغيرها التي بإمكان المرء الوصول إليها من غير عناء دون الحاجة لفتح بيته لغرباء لا يعرفهم ولا يعرف عنهم سوى أرقام هواتفهم. هذه الحالة أفرزها كذلك وجود آلاف المخالفين في المجتمع ممن لا يستطيعون العمل حسب القانون فأصبحت بطاقة هاتف مدفوعة مقدماً ومهنة يدعونها سبيلهم للعيش والكسب.
