هل هي صدفة أن تأتي الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني بينما العالم العربي يمر بحالة من الفوضى المدمرة، والنظام العربي في مهب الريح، والصراعات والحروب الأهلية تمتد من فلسطين والعراق إلى لبنان والسودان، وجماعات الإرهاب تعيث في الأرض فساداً من الجزائر إلى اليمن بينما دول أخرى كالصومال قد انتهت كدول لحين إشعار آخر؟!
هل هي صدفة أن يتم تصدير الصورة إلى العالم على أساس أننا أمام دولة متقدمة هي واحة الديمقراطية في المنطقة وهي حاملة الحضارة الغربية في وجه عالم عربي يحيط بها ويضمر لها الشر ويريد إبادة مواطنيها ولا يمنعه إلا قوة إسرائيل الرادعة من ناحية، وتخلفه وجهله وغرقه في الحروب والانقسامات من ناحية أخرى؟!
هل هي صدفة أن يأتي الرئيس الأميركي للمنطقة ليحتفل مع إسرائيل بذكرى اغتصابها لفلسطين وسط بحر من الدماء والاضطرابات التي تندلع في لبنان والسودان فتتوارى إلى الخلف أنباء المذبحة المستمرة التي تقيمها إسرائيل للشعب الفلسطيني وحصار الجوع الذي يتعرض له، والهولوكست النازي الذي تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين تحت سمع العالم وبصره؟!
وهل هي صدفة أن يأتي الرئيس الأميركي للمنطقة فلا يطارده شبح مليون ضحية من شعب العراق ذهبوا نتيجة سياسته الخاطئة وحربه غير المبررة وغير الأخلاقية لأنه سيجد من يقول باسم الذين ورطوا أميركا في هذه الحرب القذرة: أنها ليست مسئوليتنا، بل هي مسئولية العراقيين والعرب والمسلمين وحروب الطوائف التي لا تقتصر على العراق بل تمتد على طول الوطن العربي وعرضه؟!
بغض النظر عن عامل الصدفة أوالتدبير والتآمر، فإن انفجار الأوضاع في أي قطر عربي يسعد كل أعداء الأمة ويتيح الفرصة للمتصارعين على المنطقة من القوى الدولية أوالاقليمية أن يحققوا ما يتمكنون من تحقيقه من مكاسب على حساب العرب وفي غيبتهم التي طالت والتي يبدأونها ستطول أكثر.
وإذا كانت إسرائيل هي المستفيد الأكبر من تدمير العراق كقوة عربية ومن الحرب الأهلية بين حماس وفتح وفي لبنان، فإن محاصرة مصر بالمشاكل من السودان جنوبا وغزة شرقاً ولبنان شمالاً هو هدف أساسي للكيان الصهيوني الذي تظل مصر بالنسبة له هي الخطر المحتمل على الدوام.
لكن اسرائيل ليست وحدها فالقوي الاقليمية الاخرى تعرف ان الغياب العربي يعني المزيد من المساحات المتاحة أمامها لترسيخ نفوذها. أما الولايات المتحدة التي انطلقت في البداية ومع احتلال العراق من نظرية اشاعة الفوض «الخلاقة» في العالم العربي لاعادة ترتيب اوضاعه وفقاً لمصالحها.
فقد تاهت منها بوصلة التحرك بعد ان رأت أن هذه السياسة لم تؤد إلا الى تقوية القوى المعادية لها محليا واقليميا. ولكنها تريد ترتيب اوضاعها في العراق وتريد حسم صراعها مع ايران، وتريد ان تحشد ما تستطيع من قوى عربية معها وهي تخوض هذا الصراع، وتريد ان تضرب القوى الاخرى أوتحاصرها، ولا مانع لديها إذا اتفجرت الاوضاع الداخلية في العديد من الاقطار العربية وصولاً لهذا الهدف.
في الطريق لتحقيق هذا الهدف أعلنت ادارة الرئيس بوش انها «اكتشفت» فجأة ان القضية الفلسطينية هي أساس المشاكل في المنطقة، وان التوصل لتسوية عادلة لها سيقضي على التطرف ويفتح الباب لحل كل القضايا العالقة الاخرى وينقذ سمعة الولايات المتحدة في العالم العربي.
وهكذا قدم الرئيس الاميركي «رؤيته» لتسوية الصراع وحل الدولتين، واعلن ان الدولة الفلسطينية ستصبح حقيقة قبل رحيله من البيت الابيض في نهاية العام.
وانعقد مؤتمر أنابوليس وبدأت عمليات التفاوض بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية واستمرت حتى الآن دون أن تحقق تقدماً حقيقياً، وهنا قد يكون اشعال جبهات عربية اخرى مطلوب - أميركياً- لتغطية الفشل والقاء المسئولية على العرب في عدم تحقيق التسوية الموعودة، أو لتمرير أي اتفاق مبادئ حول تعريف الدولة سيكون بالقطع على حساب الفلسطينيين في ظل موازين القوى الراهنة.
لكن الأخطر أن هناك جناحاً قوياً في اليمين الاميركي والإسرائيلي كان منذ البداية يرفض «رؤية» الرئيس الأميركي ويرى في قيام «الدولة» الفلسطينية أيا كانت المعايير التي تحكمها خطراً على مستقبل إسرائيل، كما يرفض تحميل إسرائيل المسئولية عن صراعات المنطقة وعن انتشار التطرف فيها، كما يرفض التسليم بأن القضية الفلسطينية هي أساس المشاكل التي تعصف بالمنطقة.
ومن منطلق عنصري بغيض كان هذا الفريق يطرح رؤية مناوئة لرؤية الرئيس الأميركي، تركز على ان التطرف والعنف والتخلف هي نتيجة طبيعية لثقافة العرب والمسلمين الموروثة!! وأن تاريخ المنطقة قبل اسرائيل يؤكد ذلك، وتسوية القضية الفلسطينية لن تحيل «الإرهابيين العرب!!» الى حمائم سلام..!
؟؟؟
وبين الوعود التي لا تتحقق، والمؤامرات التي لا تنتهي يمضي العرب من نكبة الى اخرى. وهوأمر لن يتوقف إلا إذا استعاد العرب إرادتهم الغائبة، وحشدوا عوامل القوة التي يملكونها ليقرروا بأنفسهم مصيرهم. وبدون ذلك لن تكون فلسطين هي النكبة الأخيرة، ولن يكون العراق - بوضعه المأساوي الراهن - إلا النموذج القابل للتكرار، والعبرة لمن لم يعتبر حتى الآن!!
كاتب صحفي مصري
