أجل جرت في باكستان انتخابات عامة حرة ونزيهة. وعن طريق صندوق الاقتراع استرد الحزبان الكبيران ـ «حزب الشعب الباكستاني» بزعامة آصف زرداري أرمل بنازير بوتو و«الرابطة الإسلامية الباكستانية» بزعامة نواز شريف ـ قوتهما البرلمانية، نعم..

وشكلت حكومة ائتلافية ديمقراطية، ولكن مع ذلك بقي الجنرال الدكتاتور يمارس من خلال منصبه الرئاسي سلطاته وفقاً لتعديلات أدخلها بنفسه على الدستور تضمن له السيطرة ليس على الحكومة والبرلمان فحسب بل أيضاً على الجهاز القضائي.

الآن نشبت أزمة سياسية حادة بين القيادتين في حزبي الائتلاف بشأن كيفية التعامل مع الرئيس الجنرال مشرف ولا شك أن النخب المثقفة التي قادت الانتفاضة الشعبية التي أدت إلى استعادة التعددية الحزبية أصبحت تدرك من خلال تفاعلات وتداعيات الأزمة الجارية أنه من المستحيل تحجيم سلطة استبدادية ـ فضلاً عن الإطاحة بها ـ عن طريق إبرام صفقة سياسية محدودة بين الدكتاتور وقيادة حزبية.

الصفقة رتبتها الولايات المتحدة في الخفاء بين الجنرال مشرف والسيدة بوتو لإنشاء تحالف سلطوي يتيح لحزب بوتو المشاركة في السلطة الاستبدادية بهدف تحسين صورة النظام.. وبالتالي صورة «الحرب على الإرهاب».. ومن ثم إجهاض انتفاضة الشارع وذلك لمنع تصعيدها إلى المستوى الذي يتيح الإطاحة بالنظام الدكتاتوري، ووفقاً لهذه الصفقة يصدر الجنرال عفواً عن كل من السيدة بوتو وزوجها بشأن اتهامات فساد، هذه الصفقة تقع الآن في قلب الأزمة التي نشأت بين نواز شريف وزرداري في إطار الائتلاف الحكومي.

السبب الظاهري المباشر الذي أشعل المشكلة هو خلاف بين الرجلين حول مصير كبار القضاة الذين أقصاهم الجنرال مشرف عن مناصبهم، لقد سبق أن وافق زرداري على مطالبة من نواز بإعادتهم إلى الخدمة لكن رئيس «حزب الشعب» يتنصل الآن من هذا الاتفاق.

يدرك زرداري كما يدرك الجميع أن إعادة هؤلاء القضاة ستعني بداية النهاية للرئيس مشرف لأنهم سيعمدون إلى الطعن في دستورية انتخابه رئيساً وإلغاء كافة التعديلات الدستورية التي ابتدعها بصورة غير شرعية لضمان بقائه، لكن أرمل السيدة بوتو يدرك أيضاً ـ وهذا هو الأهم ـ أنه وقع تحت ابتزاز سياسي من قبل الجنرال.. بمعنى أنه إذا ساند زرداري مطالبة نواز برد اعتبار القضاة المبعدين فإن الجنرال سيسقط عنه العفو في اتهامات الفساد.

الجنرال إذن في موقف قوي، لكن ما كان له أن يحتفظ بقوته لو تواصلت وتصاعدت الانتفاضة الشعبية دون مساومات سياسية ذاتية.

opinion@albayan.ae