الحوار الوطني اللبناني في العاصمة القطرية الدوحة، يأتي بعد نجاح استثنائي للوفد الوزاري العربي برئاسة رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى وبمشاركة سمو الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية.
وهو نجاح نادر طال انتظار اللبنانيين له منذ سيطرة «فخامة الفراغ» على قصر بعبدا تاركا لبنان بلا رئيس، ومثيراً أزمة تجاذب بين فريقي المعارضة والموالاة انتهت بالوقوف وسط أشباح الحرب الأهلية، التي تعافى لبنان من جراحها واستوعب درسها، وحصن نفسه ضدها بالسلم الأهلي.
والحاصل، أن نجاح الوفد العربي تحقق بفضل اكتشاف كل الأطراف لحقيقة أن الكل خاسر في معركة العبث بوحدة الوطن، الذي يستند إلى هوية العيش المشترك بين كل أطيافه العرقية والطائفية.
كما أن نيران التقاتل أحرقت كل أوراق الاستقواء بالخارج، وأسقطت كل الرهانات الخاسرة على تحويل لبنان إلى ساحة تجارب للمشاريع الكونية التي تريد إعادة صياغة المنطقة تحت مسمى براق ومخادع «الشرق الأوسط الكبير» بحيث تمنح إسرائيل موقع القطب الإقليمي القائد، تصبح بقية الدول العربية مجرد حدائق خلفية للقوة العظمى المصطنعة.
ونقطة البدء لإنجاح الحوار الوطني اللبناني، يجب أن تبدأ من الأطراف اللبنانية عبر المكاشفة والمصارحة ونقد الذات، بهدف طي صفحة الفتنة نهائيا، وصياغة أطر وآليات لتذويب التناقضات والخلافات قبل أن يتسع الخرق على الراتق. والشاهد، أن الخطأ معلق برقاب الجميع، سواء من بدأ بإصدار قرارات استفزازية، أو من انجرف للاستفزاز وخاض في وحل التقاتل، وسمح للمراقبين والمشاركين بخدش صورة المقاومة، ووضع سلاحها موضع التشكيك، بعد أن استخدم في الداخل، وقد كان عصيا على الأعداء إيقاعه في مثل هذا الفخ.
على أن أهم مقومات إنجاح الحوار هو اتصاف كل الوسطاء العرب بالنزاهة والحياد وعدم الوقوع في خطأ الانحياز لأحد دون آخر. وان يعي من يتمسك بالانحياز لطرف أن سر نجاح الوفد العربي هو تحلي رئاسته وأعضائه بميزة النزاهة والحياد والحرص على الصالح الوطني والقومي، وهو أمر كان له فعل السحر في استجابة الجميع لمبادرة الحل وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 5 مايو الجاري.
الخلاصة، يجب أن يتنبه جميع المشاركين في حوار الدوحة، وجميع المتابعين في عواصم القرار العربي أن هناك جهات دولية وإقليمية لن تسكت على استئناف الحوار وستضع «العصا في دولابه» وإن استعصى عليها الأمر ستختلق أزمات ومزاعم تنسف مقرراته، وتمنع تنفيذها على ارض الواقع، لأنها ترى أن هذه بادرة عربية يجب أن توأد في مهدها، حتى تبقى الأزمات العربية رهن إرادة الخارج.
