قبل أسبوعين شاركت في مائدة مستديرة في القاهرة حول الوضع الراهن على الساحة الفلسطينية، وكان من بين الحاضرين الوزير والدبلوماسي الفلسطيني المعروف نبيل عمرو، فراح يملأ المكان شكوى من معاناة الشعب الفلسطيني ومكابدته من الاعتداءات الإسرائيلية التي تمضي بلا هوادة ولا روية ولا أي عناية بما يفرضه القانون وتوجبه العدالة وتحتمه المعاملة الإنسانية. وكان الرجل يتحدث بوجه خاص عن الرد الإسرائيلي القاسي على الصواريخ التي تطلقها حماس من قطاع غزة، والردود الفظيعة التي تعقب العمليات الاستشهادية. وكان بهذا يمهد الطريق في اتجاه إقناع الحضور بجدوى المسار الذي تمضي فيه السلطة الوطنية الفلسطينية، ولاسيما حركة فتح، في التفاوض مع إسرائيل، والتحاور مع المجتمع الدولي، خصوصا الولايات المتحدة الأميركية، ويحاول أن يثبت أن حماس تزرع الشوك ولذا لن تجني سوى الجراح.
ولم يعترض أحد على ضرورة التحاور هذا، ولا على الآثار التي يخلفها اللجوء إلى الكفاح المسلح في ظل عدم توازن القوى بين شعب أعزل وجيش مدجج بأحدث ترسانة عسكرية، لكنني اختلفت معه في أن يرتكن الفلسطينيون إلى هذا التصور الناقص، وينسوا أو يتناسوا خيارا انحازوا إليه في فترات معنية من كفاحهم الطويل للدفاع عن وطنهم المسلوب، ألا وهو المقاومة المدنية التي لا غنى عنها في أي وقت، ولا يمكن للنضال المسلح أن يجبّها، ومن دونها لا تستطيع المفاوضات أن تأتي بالحقوق الضائعة أبدا، مهما ادعى المنحازون إلى التفاوض عكس ذلك.
والمقاومة المدنية الفلسطينية سابقة بكثير على الانتفاضتين الأخيرتين اللتين وقعتا في 1987 و2000، واستمرت الأولى حتى توقيع اتفاق أوسلو 1993، وعاشت الثانية نحو سنتين. وهنا تستعيد الذاكرة الإضراب العام الذي شهدته فلسطين عام 1936 احتجاجا على الانتداب البريطاني والهجرة المنظمة لليهود إلى فلسطين لإقامة دولة لهم على أراضيها. وقد مهد هذا الإضراب لثورة استمرت ثلاث سنوات كان الكفاح المسلح فيها حاضرا بشدة، لكنه ترافق مع حالات نضال غير عنيف كانت بذرته الأولى قد وضعت في عشرينيات القرن المنصرم، وتمثلت في الكتابات المناهضة لتوطين اليهود، وإرسال الوفود إلى لندن لتقديم صورة لما يجري على الأرض من قتل وتدمير على أيدي العصابات الصهيونية، وشرح المطالب الفلسطينية العادلة، إلى جانب التظاهرات والاحتجاجات المتفرقة.
وفي عام 1933 نظم الفلسطينيون مقاطعة اجتماعية للحفلات والاجتماعات الحكومية، وكذلك السلع البريطانية والصهيونية، ثم دعوا إلى إضراب ليوم واحد في 13 سبتمبر 1933، ومظاهرة في 13 أكتوبر من العام نفسه. لكن هذه الممارسات المتفرقة تجمعت وانتظمت بعد هذا بثلاثة أعوام، لاسيما أن السياق كان مهيأ لهذا، حيث الركود الاقتصادي وتسارع وتيرة الهجرة اليهودية، واستشراء عمليات استيلاء الصهاينة على أراضي الفلسطينيين، وزيادة معدل البطالة بعد رفض أرباب الأعمال اليهود تشغيل العرب، ثم وقوع مصادمات دامية بين العرب والعصابات الصهيونية. وفي العشرين من إبريل 1936 تم تشكيل لجان وطنية لتنظيم الإضراب في نابلس ويافا أولا، ثم امتد الأمر إلى بقية المدن الفلسطينية. وبعدها بخمسة أيام تشكلت اللجنة العربية العليا المشرفة على الإضراب، التي بدورها دعت في 7 مايو من خلال مؤتمر للجان الوطنية إلى عصيان مدني، لشل عمل الجهاز البيروقراطي. وإثر ذلك توقف العمل في كافة المصالح والهيئات، وانقطعت وسائل الاتصال العربية، وأضرب معظم العمد، بينما اكتفى موظفو الحكومة بتقديم تبرع بعشرة في المائة من رواتبهم لصندوق الإضراب ولم يشاركوا في الإضراب تخوفا من أن يستولي اليهود على وظائفهم.
وقد أثر الإضراب تأثيرا ملموسا في المصالح اليهودية، إذ أدت المقاطعة إلى إلحاق ضرر بالحياة الاقتصادية لليهود، تمثل في تراجع حركة التصنيع بنسبة عشرة في المائة، كما تراجعت حركة بناء المستوطنات، وتضررت التجارة. وفي المقابل أعطى الإضراب دفعة لكفاح الفلسطينيين من أجل قضيتهم العادلة، وأجبر الإنجليز على الاعتراف بمطالبهم، وعلى التخلي عن الانتداب وخطة التقسيم، وإن كان لم يفلح في وقف حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وتجربة المقاومة المدنية هذه تركت للفلسطينيين خبرة ملموسة في ممارسة هذا الصنف من النضال، ظهرت في الانتفاضات السبع التي قام بها أبناء الشعب الفلسطيني الصامد، والتي وقعت أعوام 1967 و1974 و1976 و1982 و1985 و1987 ثم أخيرا انتفاضة الأقصى عام 2000. ولم يفقد الفلسطينيون طيلة تاريخهم الطويل الثقة في جدوى المقاومة المدنية، لاسيما في ظل اتصال الظروف التي تحيط بهم، والتجربة القاسية التي يمرون بها. فالأسباب التي أدت إلى انفجار ثورة 1936 تتقاطع وتلك التي أدت إلى اندلاع انتفاضة 1987 الخالدة، إذ جاء الحدثان على أرضية المطالب التاريخية للشعب الفلسطيني في الظفر بالحرية ونيل الاستقلال وتقرير المصير، ووقف الخطر الزاحف على أرض فلسطين، والتصدي للهجمة الاستعمارية في صيغتها البريطانية ـ الصهيونية في ثلاثينيات القرن العشرين، والصهيونية ـ الإسرائيلية في الثمانينيات منه.
إن الفلسطينيين مطالبون بأن يمعنوا النظر في تجارب المقاومة المدنية في بلدان أخرى، لاسيما تلك التجارب التي مهدت للكفاح المسلح، حين اشتد ساعد أصحاب الحق، وبات بوسعهم أن يصدوا ويردوا العدو ويكبدونه خسائر جسيمة تجعله يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على أي عدوان، سواء ضد رجال المقاومة أو ضد الشعب الأعزل. وعلى الفلسطينيين في الوقت نفسه أن يجيلوا النظر في تجربة ثورة 1936 التي زاوجوا فيها بين العصيان المدني وحمل السلاح حين اقتضى الأمر.
أما إهمال الأشكال الفعالة من النضال السلمي، والاكتفاء بإطلاق صاروخ هنا أو هناك، أو عملية استشهادية في هذه البلدة أو تلك، فهو من الأمور التي تؤخر بزوغ فجر الفلسطينيين، حين يستردون أرضهم السلبية، وكرامتهم المستباحة، وتاريخهم الذي يحاول الصهاينة تشويهه ومحوه من ذاكرة العالم الحديث.