ليس من المبالغة في شيء القول بأن المنطقة العربية التي اكتوت شعوبها بحروب ومواجهات وحالات متكررة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي تعيش الآن مفارقات شديدة، بل وتناقضات تحمل في داخلها مخاطر حقيقية ومؤثرة، على الحاضر والمستقبل بالنسبة لمعظم دولها وشعوبها .
ففي الوقت الذي يشارك فيه الرئيس الامريكي جورج بوش في احتفالات اسرائيل بإعلان قيامها على جزء من الاراضي الفلسطينية، وتعتبر ذلك نجاحا بالنسبة لاهدافها، او مخططاتها في اقامة دولة تضم من يأتي اليها من اليهود من كافة بقاع العالم، بغض النظر عن معرفته بفلسطين او تاريخها ومحنتها، فإن الفلسطينيين على بعد كيلومترات قليلة من مواقع الاحتفالات الصاخبة يتذكرون معاناتهم ونكبتهم والدول العربية الاخرى في عام 1948 وما ترتب على ذلك من نتائج ومعاناة ما زالوا يعيشون ويلاتها حتى الآن.
نعم سارعت اسرائيل الى اتخاذ اجراءات امنية غير عادية، بما في ذلك اغلاق الاراضي الفلسطينية، وتشديد اجراءات الحصار على ابناء الشعب الفلسطيني وزيادة معاناتهم، سواء في الضفة الغربية المحتلة او في قطاع غزة على وجه الخصوص، ولكن السؤال هو هل تجدي هذه الاجراءات في قمع الشعب الفلسطيني واغتيال حلمه في العودة الى اراضيه وفي اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب اسرائيل؟
والاكثر من ذلك هل هذه الاجراءات التعسفية البشعة يمكن ان تخدم اسرائيل ذاتها او ان تحقق لها العيش في سلام او هدوء على اي نحو؟ من المؤكد ان الجواب معروف، اذ ان من يتطلعون الى استخلاص حقوقهم وأرضهم لا يستسلمون، حتى ولو طالت المعاناة او ازدادت التضحيات لأن ذلك يقرب دوما من الهدف النهائي. وهذا هو درس تاريخ حركة التحرير الوطني على امتداد العالم وعلى امتداد عقود وقرون طويلة.
ومع الوضع في الاعتبار ما تبذله الولايات المتحدة الاميركية وما يقوم به الرئيس الامريكي بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس من جهود وتحركات، عديدة ومتواصلة، على امل التوصل الى اتفاق سلام بين الفلسطينيين واسرائيل قبل مغادرة الرئيس بوش البيت الابيض في 20 يناير القادم، الا انه يبدو على نحو واضح ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت وحكومته لا يرغب في مساعدة الادارة الاميركية على تحقيق ذلك، او على الاقل يريد استنزاف الوقت عبر تكتيكات معروفة ومكشوفة للتسويف والمماطلة حتى لا يتحمل هو وحكومته مسؤولية عرقلة التحركات الاميركية هذه.
وفي هذا الاطار ايضا عمدت اسرائيل الى طرح شروط لتعويق التحرك المصري الاخير الهادف الى التوصل الى تهدئة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، مع المضي في سياساتها وممارساتها الهمجية ضد المواطنين الفلسطينيين بحجة العمل على وقف اطلاق الصواريخ على المستوطنات الاسرائيلية.
واذا كانت اسرائيل قد فشلت حتى الآن في تحقيق اهدافها، كما ستفشل غدا في تحقيق ذلك، فإن الطريق الى تحقيق السلام والاستقرار ومن ثم الازدهار لكل دول وشعوب هذه المنطقة يتمثل في قيام اسرائيل بالانسحاب من الاراضي العربية التي احتلتها في عام 1967 واتاحة الفرصة لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وبناء سلام حقيقي وشامل مع العرب في اطار المبادرة العربية للسلام وعلى اساس احترام القوانين والشرعية الدولية. ففي هذه الحالة يمكن بالفعل ان تتبدل الاوضاع في المنطقة وان تلتقي شعوبها وان تتعاون بالفعل من اجل بناء مستقبل افضل لها جميعا .
صحيح ان بناء الثقة بين العرب واسرائيل يحتاج بالضرورة الى وقت غير قليل، ولكن الصحيح ايضا هو الى اي مدى تريد اسرائيل السلام؟ وهل هي حقا تريده؟ ان الكرة هي بوضوح في الملعب الاسرائيلي، وليس من صالح اسرائيل ان تستمر الاوضاع الحالية والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني لان الشعور بالغبن والاحباط يفتح المجال لردود فعل تتجاوز احيانا حسابات كل الاطراف. فهل تستجيب اسرائيل وتفي بمتطلبات السلام ام ستحتمي وراء اسوار لن تحميها؟
