عروش يعتليها البعض، وقلوب يأسرونها ونفوس يسكنونها وتاريخ يكتبونه ليس بأحرف من ذهب، بل بمداد حب منحتهم جماهير أحبتهم واحترمتهم، وقد احتلوا في قلوبها مكانة كبرت واتسعت بقدر ما أعطوها من جهد وإخلاص وعمل راق.

واحد من هؤلاء الفنان الكويتي عبد الكريم عبد القادر ـ أطال الله في عمره ومنّ عليه بالشفاء والصحة ـ الذي ظل في مسيرة امتدت لأكثر من 40 عاما مخلصاً ووفياً لفنه وجماهير طربت لأجمل وأروع ما متعها به من أغنيات حين غنى لأجمل المشاعر فأعطى الحب حقه ومنح العواطف الجميلة ما تستحقه، وكان الوطن حاضراً في فن هذه الشخصية الرائعة فقدم له أروع ما عنده.

عبد الكريم عبد القادر الذي ترفع الأكف اليوم ضارعة إلى المولى تطلب له الشفاء، وأن تمر الأزمة الصحية التي يمر بها بخير وسلام، ويتابع محبوه الذين لطالما طربوا لفنه أخباره بكل اهتمام، لم يصل لما وصل إليه من فراغ، فعلاوة على ما وهبت السماء هذا الصوت الشجي فإنها منت على صاحبها بقدرة فائقة على اختيار الأنسب وتسخير الإمكانات المقدرة له وتوظيفها بشكل ساهم في أن يصبح هذا الفنان مطرب الكويت الأول ويتواجد بقوة بين العظام الذين أفرزتهم المنطقة.

فنان لم ينجرف مثل الكثيرين في تيارات «الكليبات» والظهور بشكل لا يليق بتاريخ عريق ومجاراة أغاني العصر بل حافظ على مكانته بين جمهوره واحترمه، فلم يرض أن يسمعه أي كلام أو يقدم له أي شيء في زمن قدّم غيره تنازلات كثيرة من أجل التواجد والمادة، إلا عبد الكريم عبد القادر الذي كما رفض في بدايته تغيير اسمه بآخر وأصر على أن يكون اسمه في الفن كما هو في حياته فنجح ووصل القمة، كذلك رفض مبادئ كثيرة في وسط يعصف بكل شيء لكنه بقي كما هو وكما يريد له جمهوره أن يكون فناناً محترماً وقديراً.

عبد الكريم عبد القادر لم يجامل في فنه، فلم يغن سوى أفضل الأشعار ولم يقدم طوال مسيرته إلا أروع ما جادت به قريحة الشعراء في الخليج فغنى: غريب، وردي الزيارة وأنا رديت والصوت الجريح، وأبدع في أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي ليس من السهل على أي مطرب أن يغنيها ويتقن مفرداتها، فقدم: تسهر أجفاني وصوب دار الخل واسمع صدى صوتك والجرح الخطير.

مطرب يجعل مستمعه يرحل معه في بحور الحب والشوق في صوت شجي لن يجود الزمن بمثله كثيراً، لأنه وعلى الرغم من بساطة الحياة وقت ظهوره لم يتخذ الفن مهنة بقدر ما كان حباً وعشقاً له واحتراماً لجماهير وقفت خلفه فبادلها الاحترام والحب.

قدم كل جميل وإن كانت مسحة الحزن حاضرة ولم تغب يوماً ليس عن ملامح هذا الفنان بل حتى عن صوته الذي ظل على الدوام حزيناً وجريحاً ليصبح ذلك الحزن والجرح ملهميه واللمسة التي ميزته عن غيره وكانت مبعث إبداع وتميز. نسمع غيب وأنا أغيب، ونشوف منهو اللي تأثر، منهو يكون ملهوف للثاني أكثر، مهما تصد ولا تروح، أدري أنا بقلبك سموح، وأدري على الفراق مثلي ما تقدر، هذا انته وهذا أنا.. إذا تقدر على بعدي.. كلمات نافذة إلى الأعماق أسعد بها عبد الكريم عبد القادر قلوب مستمعيها فلا نملك سوى الدعاء له بالشفاء.

fadheela@albayan.ae