عقب إعلان شركتي «Royal Dutch Shell» البريطانية-الهولندية و«Repsol» الأسبانية عن انسحابهما من المشاركة في استثمار حقل «بارس الجنوبي» الإيراني الذي يعتبر من أكبر حقول الغاز في العالم عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقية لاستيراد كميات إضافية من الغاز من البلدان العربية. وفقا للاتفاقات التي تم التوصل إليها، سيقوم العراق بتجهيز 5 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا، ومصر عبر تركيا ـ ملياري متر مكعب أخرى. والموعد الافتراضي لبدء التجهيز هو عام 2010.
العديد من المراقبين اعتبر قرار الشركتين الأوروبيتين يستهدف الضغط على إيران، وفرض حصار على الاستثمارات الروسية. ولعل اتفاق الاتحاد الأوروبي مع العراق ومصر يعكس مساعي الأوروبيين لتقليل التبعية لروسيا في مجال الطاقة.
وقد أدت المحاولات الإيرانية الفاشلة لاقتحام أسواق الطاقة الأوروبية أدراك العديد من الأطراف الدولية لأهمية الطاقة كأداة قادرة على إدارة الحوار السياسي الدولي. ولعل موقف الاتحاد الأوروبي (الذي دعم مشروع نابوكو لتقليل اعتماده على روسيا) الرافض لعرض طهران بإمداد أوروبا باحتياجاتها من الغاز الإيراني يؤكد ارتباط هذا الملف بالصراع السياسي الدائر على الساحة الدولية، خاصة أن الاتحاد الأوروبي أكد على رفضه لتزويد خط الأنابيب نابوكو الذي سيمر عبر تركيا ومنطقة البلقان إلى النمسا بالغاز الإيراني.
بالرغم من أن بروكسل تبحث في مختلف الخيارات لتنويع مصادر الطاقة، للتقليل من تبعية بلدان الاتحاد الأوروبي لتجهيزات الغاز الروسية. ما دفع الغرب لدعم مشروع «نابوكو» لمد أنبوب لنقل الغاز دون المرور بروسيا، والذي يبلغ طوله 4 آلاف كيلومتر، وتصل طاقته الإنتاجية إلى 21 مليار متر مكعب في السنة.
كشفت مساعي الإيرانيين لاستغلال الصراع الروسي - الغربي، ومحاولات الاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد على روسيا، التي جرت في وقت كانت موسكو تحاول إيقاف قرارات دولية بفرض عقوبات ضد إيران، أن البعض يعمل ضد مصالحه ويتقرب للغرب حتى لو كان هذا على حساب حلفاءه.
ولا يمكن التعامل مع ملفات الغاز الطبيعي وأسواقه العالمية بمعزل عن السياسة والصراعات الدائرة على الساحة الدولية، إذا يعتبر الغرب أن سيطرة روسيا على أكثر من ثلث احتياجات أوروبا من الطاقة تمكنها من إجبار الأوروبيين على قبول التسويات السياسية التي تقدمها روسيا لهم حول العديد من ملفات البؤر الساخنة والسياسة الدولية.
ولعل ما يثير الدهشة أن السياسات الروسية التي يحاول الغرب استئصالها، وتحجيمها تتعلق أيضا بإيران وبالعالم العربي، بدءا من ضرورة إصلاح الوضع في العراق وإعادة إعماره دون مساومة حكومته بهدف السيطرة على ثروات العراق النفطية، ومرورا بحل أزمة الشرق الأوسط عبر تسوية شاملة، على كافة المسارات، وانتهاء بتجنيب إيران ومنطقة الخليج ضربة عسكرية أميركية.
ويجد الغرب في بعض أطراف أزمات البؤر الساخنة السند في تقليص النفوذ الروسي الذي يمكن وصفه بالداعم لحقوق البلدان النامية في الحياة الحرة الكريمة، ما يعتبره العديد من السياسيين الروس بأن هذه الدول تعمل ضد مصالحها وبدلا من أن تتعاون مع الأطراف التي تدعو لدعم استقلالها وسيادتها، يركضون لمساندة القوى التي تسعى لاستغلال ثروات هذه الدول وزيادة إفقارها وإنهاك اقتصادياتها عبر القروض وشروط المؤسسات الدولية لدعم وتطوير اقتصاد هذه الدول.
الأمر لا يقتصر على معركة الغاز التي حاولت إيران الدخول فيها ضد مصالح روسيا، وستدخل فيها اليوم مصر والعراق. وإنما يتسع ليشمل اتفاقات التعاون في قطاع الطاقة في الجزائر، فبعد أن أعادت شركة (غاز بروم) النظر في اتفاقاتها مع شركة ENI والخاصة بإنشاء مصنع لتحويل الغاز إلى سوائل في روسيا.
واعتبرت أنها قد بدأت في تعاون استراتيجى مع شركة (سوناطراك) الجزائرية بعد أن وقعت معها مذكرة التعاون، ما أدى إلغاء المشاريع المشتركة بين الشركتين الإيطالية والروسية. تفجرت أزمة بين البلدين غير واضحة المعالم على كافة المستويات، بدءا من التعاون التقني - العسكري، وانتهاء بقطاع الطاقة.
مركز دراسات الطاقة الروسي