عودة الحكومة اللبنانية عن قراريها الشهيرين، فتحت كوّة في جدار المحنة. قبول المعارضة بإنهاء العصيان وإزالة كافة مظاهره، بعد تراجع الحكومة والموافقة على الحوار؛ شكّل هو الآخر خطوة تصبّ في توسيع هذه الكوّة. الحصيلة السريعة والمباشرة، كانت هبوط حالة من الاسترخاء النسبي، ولو الهش، على البلد.

الأهم أن هذه الحالة مفتوحة على المزيد من الحلحلة، في ضوء التحركات والمباحثات التي أجرتها اللجنة الوزارية العربية، مع كافة الأطراف، في بيروت. وقف التدهور، كان حاجة ماسة. تحققه، فكّ الخناق عن عنق البلد وفسح المجال لالتقاط الأنفاس. لكن الوضع الواقف على قاب قوسين من فوهة البركان، لا يسعه التعويل على هكذا فسحة. حتى ولو امتدت إلى أيام. أو ربما أسابيع. يحتاج إلى خطوات مكملة ومتلاحقة، تكفل سحب برميل البارود، من جوار البركان.

المعادلة الجديدة، التي تحمل تباشير انفراج، جاءت نتيجة تفاهم؛ بين الأطراف اللبنانية والوزراء العرب. مقايضة قامت على تراجع متقابل. صيغة حفظت ماء الوجه للفريقين. كان ذلك، بمقاييس الأزمة وتعقيداتها، بمثابة نقلة واعدة. عودة الحال إلى ما كانت عليه قبل السابع من الجاري، تكاد توازي الإنجاز، في ضوء ما كان يمكن أن تندفع إليه الأمور. نزول الجيش إلى الشارع وتكليفه بالأمن، أعادا شيئاً من الهدوء إلى النفوس، ساهم في تنفيس التوتر وفي وقف الضخ التحريضي. أقفل حنفية الاحتقان، ولو مؤقتاً.

الموافقة على الانتقال من الشارع إلى الطاولة، كانت لها أثرها في تبريد النفوس... والرؤوس. ومن الطبيعي أن تتعزّز مثل هذه الأجواء، بانتقال الطاولة هذه المرة إلى خارج لبنان إلى قطر، التي عرضت استضافته.

الآن ربما تجاوز هذا الدور الشقّ الأمني. وربما نجح في وضع صمّامات أمان، تضمن وحتى إشعار آخر، عدم اللجوء مرة أخرى إلى السلاح. لكن هذا الجانب، على أهميته وأولويته القصوى في هذه اللحظة، لا يشكل سوى الحلقة الأسهل. المعالجة الكفيلة بعدم تكرار مشهد الأيام السابقة، لا تستوي إلاّ بالانفتاح على التسويات عبر التنازلات. وحده التفاهم السياسي يؤدي إلى الخروج من النفق. البديل الأمني جرى تجريبه، مراراً وتكراراً.

جولة الأسبوع الماضي، شاهد حيّ، أو بالأحرى كابوس حيّ. ما طرحه الوفد الوزاري العربي، متوازن. نزع الفتيل وأعد المسرح لحوار يؤتي ثمرته. ولو بالحدّ الأدنى الذي يوفر المزيد من النزف على هذا البلد، الذي ما عاد عنده مساحة للاحتمال.

عملية التعريب شقت طريقها. اللبنانيون تراجعوا وسحبوا الفتيل الآني. ليكتمل التراجع لا بدّ لهم من قرار الرجوع إلى الوطن والدولة والمؤسسات. لا خيار غير ذلك.