على الرغم من الرسائل المستبشرة التي تلقيتها خلال الأيام الفائتة من عدد من المعيدين المبتعثين للدراسات العليا في الولايات المتحدة الأميركية من قبل جامعة الإمارات، التي جاءت محملة ببشرى مضاعفة قيمة المنح الدراسية لهم وبأثر رجعي اعتباراً من مارس الماضي، إلا أن الأخبار التي حملتها الصحف حول رحيل أعداد كبيرة من الإداريين والأكاديميين من العمل في الجامعة وتوجههم إلى مؤسسات وجهات أخرى بسبب تدني الرواتب والمزايا خلفت في النفس أسفاً على ما آلت إليه أحوال العاملين في هذه الجامعة بحيث دفعتهم لتركها والبحث عن بدائل تجزل لهم العطاء.
مبعث هذا الأسى بالدرجة الأولى هو المكانة الرفيعة التي تحتلها جامعة الإمارات ـ تحديداً ـ دون غيرها في نفوس المواطنين من الذين أنهوا الثانوية قبيل العام 1977، والتحقوا بالجامعة في فوجها الأول مروراً بسنوات طويلة حتى يومنا هذا، حيث احتفلت الجامعة قبل أيام بتخريج الدفعة السابعة والعشرين من طلبتها، ليصبح إجمالي من درسوا فيها وتخرجوا نحو 47 ألف خريج وخريجة، بالتالي يعز علينا جميعا وعلى الوطن أن يهجر الأساتذة قاعات الدرس والمختبرات العلمية ويتخذوا من وظائف أخرى في الدوائر المحلية والشركات الخاصة بديلاً لها.
المشكلة ليست وليدة الساعة، ولم تبرز فجأة، بل لطالما نادى المخلصون بأهمية الالتفات إلى العاملين في الجامعة إداريين كانوا أم أكاديميين.
وقد كانوا بعيدين عن زيادات عدة طرأت على الرواتب الاتحادية لم يكن لهؤلاء نصيب فيها وضاعت مرات كثيرة أصوات طالبت بتعديل أوضاعهم الذي لم يتم إلا مؤخراً، ويبدو أنه لم يكن في مستوى الطموحات، ولم تتوافق مع الزيادات الكبيرة التي أجرتها بعض الحكومات المحلية على رواتب موظفيها، فكانت بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير ووضعت الأساتذة والإداريين عند نقطة يمكننا تسميتها بنقطة اللاعودة.
إن مطالبة مدرّسي جامعة الإمارات بمساواة رواتبهم بوكلاء الوزارة حق مشروع ولا يخالفهم فيه أحد، فمن غير المعقول أن تقف الرواتب والمزايا حجر عثرة أمام زيادة أعداد أعضاء هيئة التدريس المواطنين في الجامعة الذي لا يزيد على 170 عضواً مقابل 70 معيداً، قلة ليس لها ما يبررها.
ومن غير المعقول أيضاً أن يجد أساتذة الجامعة أنفسهم محلك سر في حين أن الأعداد التي تتخرج من بين أيديهم من طلبتهم يتمتعون بواقع وظيفي أفضل منهم برواتب ومزايا تفوق كثيراً ما يحصلون عليها.
وبالتالي فإن عزوفهم عن التدريس أو رحيلهم عنه على الرغم من المكانة الاجتماعية والأدبية التي يتمتع بها منتسبو هذه المهنة لها بالفعل ما يبررها ولا لوم عليهم، فالحياة باتت صعبة ولم يعد في وسع المرء ـ مهما أحب وظيفته ـ أن يكون هذا الحب شفيعه في الصبر على الضنك وقلة الراتب.
من الصميم نتمنى أن يتوقف هذا النزف في إمكانات الجامعة، وأن يكون هناك وسيلة لإعادة «الدكاترة» إلى مقاعدهم وطلبتهم وقاعات دروسهم، وأن تكون جامعة الإمارات مؤسسة تعليمية جاذبة للكوادر الوطنية المؤهلة لا طاردة لها، ليكملوا مسيرة رحلة بدأت منذ العام 1977 وامتدت لسنوات مليئة بالنجاحات والإنجازات التي تعد مفخرة، وكانت على الدوام شعلة مضيئة لا نريد لوهجها أن يخفت.
