ما نلحظه في هذه الأيام على امتداد الوطن العربي يدمي القلب، ففي فلسطين الغافية على الآلام والجراح منذ ما يزيد على ستين عاماً مآس لا يكاد يصدقها عقل، فهي مسيجة بالرعب والقتل والمذابح والتجويع والافتقار إلى أدنى متطلبات الحياة، حتى كأن الإنسان يبدأ يومه في الصباح من دون أن يتخيل أنه سيعيش إلى المساء؛ فكل شيء ينذر بالخطر المحدق دون أن يطمئن إلى أن أي قانون إنساني سيحميه من آلة القتل والدمار.
هذا الفلسطيني الذي يستقبل العام الستين من النكبة وحق العودة المكفول دولياً وإنسانياً وأخلاقياً بات في مهب الريح. والإخوة الأعداء ما زالوا يتخندقون في مواقع العداوة التي لا تفضي إلى أي كلام يخفف من أوجاع الذين عاشوا على حلم الدولة والعودة، ولا شيء كما يبدو في الأفق قادر على أن يخرج الأحقاد من الصدور ويجمعهم على قلب رجل واحد من أجل قضيتهم، حتى أصبحنا نرى بأسهم بينهم شديد على غير المتوقع وعلى خلاف كل مطمح مأمول. فهل من خلاف يمكن أن يكون مدعاة للتناقض الذي يجعل العدو في مرمى التفاوض والأشقاء غير قادرين على الحوار واللهجة بينهم أعلى من اللهجة التي تظهر مع العدو المشترك؟
وعلى الساحة اللبنانية عجز أبناء هذا الوطن الجميل عن الحفاظ على صيغة العيش المشترك وبدت العلاقة بينهم في كثير من الأحيان أقرب إلى العلاقة بين الأعداء بل أشد وأنكى، فمنذ سنين والخلافات بينهم تتأجج، والحوار بينهم يستحيل إلى قصف كلامي قبل أن يستحيل إلى حوار بالرصاص وقصف بالمدافع. وكأن أبناء الوطن بما يمتلكون من طاقات ثقافية هائلة، وصلات حضارية على مدى طويل لم يتمكنوا من صنع آلية حضارية للحوار، وكأن النظام الاجتماعي والسياسي لم يستجب حتى الآن للحالة الحضارية التي بلغها الأهل في لبنان. لقد أصبح لبنان أمام أمتنا العربية أشبه ببرميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة، ولا يقف عند حد لبنان الصغير بل سيصيب كل الأمة بالخطر الشديد الذي لن يقف عند حدود الوطن الصغير لا سمح الله.
وإذا وقفنا عند المعضلة الرهيبة في السودان أدركنا ما يحيط بهذه الأمة من مخاطر حيث تشير الدلائل إلى أن جنوب السودان مقبل في يوم ما على الانفصال. وأما مشكلة دارفور بإرثها الكبير في تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية فهي إحدى مآسي هذه الأمة التي فشلت في إيجاد حل لها.
وقد نفذ الأعداء من خلالها لزيادة الفرقة بين الإخوة حين لم تمتد يد للإصلاح بعد أن اتسع الخرق على الراقع، وراح بعض الناس لأسباب مختلفة ومتباينة يلجؤون إلى إسرائيل للحماية وطلب العيش الكريم أو التمرد على بلدهم. وأما عن القرن الإفريقي، ولاسيما في الصومال، فحدث ولا حرج؛ حيث المجاعة والقتل والإبادة وأمراء الحرب الذين أفقدوا الناس كرامتهم وحريتهم وأبسط معاني العيش الكريم أو غير الكريم.
ومن العجب أنك لا تولي وجهك في هذا الوطن المنكوب إلا وترى الإخوة بأسهم بينهم شديد، يكاد الخلاف والقتال بينهم يفتح صفحة مخيفة في كتاب التاريخ المثقل بالنكبات وأخبار النكوص والتراجع المستمر، على نحو ما نرى في العراق أرض الرافدين وأرض السواد وأرض التاريخ ومهد العباسيين ومهد الحضارة منذ فجر التاريخ. الإخوة الأعداء يقتتلون بصورة لا يتوقعها حتى أولئك الجامحون في الخيال. لقد قتلوا بأيديهم أعداداً تفوق الحصر، وبلدهم محتل والأعداء ينفذون إليهم من خلال الخلاف والشقاق.
يتساءل كثير من الناس عن السبب الذي أدى إلى هذا الاقتتال والمذابح والنزاعات. يجيب بعض الباحثين بأن السبب يعود إلى التجزئة والضعف، ويجيب آخرون بأن السبب يعود إلى غياب روح المجتمع المدني، وغياب الديمقراطية الحقيقية في مجتمع حقوق الإنسان وتكافؤ الفرص والحريات العامة، ويقول آخرون كلاماً كثيراً.
ومن العجيب أن المثقفين والمتعلمين والأجيال الكثيرة من خريجي الجامعات والمعاهد العلمية يبدون وكأنه لا دور لهم في الحياة، وقد باتوا قطعاناً تقودهم المنظمات والأحزاب والجمعيات والهيئات المختلفة دون أن يكون لهم دور أساسي في رسم مستقبلهم. وقد يقول قائل: إن التوعية والتوجيه لم يتحققا على كثير من أجهزة الإعلام العربية التي ضربت الثقافة العربية والوعي العربي في الصميم، وقد يكون مع هؤلاء بعض الحق، ولكن الحق كل الحق في أن هذا المخزون الهائل من المتعلمين سيكشف عن نفسه يوماً ما قريبا، ويؤكد أن هذه الأمة مثل سائر الأمم الحية تريد أن يعيش فيها الإنسان حراً آمناً سعيداً، يعزز مبدأ تكافؤ الفرص والديمقراطية وتحقيق المجتمع المدني الذي يؤمن بحقوق الإنسان.
فليحتفل القوم بالذكرى الستين لاغتصاب فلسطين، ولتبك قلوب الفلسطينيين دماً، وهم يتذكرون وطنهم ويعيشون حرمانهم من كل شيء، ولتبك معهم قلوب المخلصين من أبناء العروبة والإسلام، لكن المهم ألا ييأس أحد من نيل حقه الشرعي ولو بعد حين، فعمر دويلة الظلم ساعة، وعلى قدر الإيغال في الظلم، واستعلاء الأعداء وتجبرهم وتنامي غرورهم يبزغ الأمل بأنّ دورة الزمان قد بدأت تدور من جديد. فإذا كان هذا الزمان ليس زماننا، فإن الأمل في القادم لا ينفك يقوى ويشتد. وستعود البسمة يوماً إلى أطفال فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال، وستشرق عليهم شمس الأمن فينالون حقهم في الحياة الكريمة، وتختفي من عيونهم البريئة سياط الأسئلة الموجعة، وسيدرك العقلاء وغير العقلاء، المخلصون وغيرهم أن مصلحة العرب وأمنهم وقوتهم في وحدتهم وتكاتفهم.
وأن صوت الأنانية الزاعق والمصالح الضيقة هو صوت قصيري النظر قصيري العمر أيضا، فالتاريخ لا يكتبه يراع الصغار الدائرين حول ذواتهم، ولا يحتفظ بين دفتيه إلا بمداد أولئك الذين أخلصوا للمصلحة الكبرى، والغايات البعيدة، والمطالب الغالية العالية، مداد من يمد بصره إلى الأفق، ولا يطأطئ لينظر فقط إلى موضع قدميه. ما أصغر ما يراه إذن! وما أحقره!
جامعة الإمارات