ذكر الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في خطابه الأخير أن لبنان قد دخل مرحلة جديدة بالكامل بعد أن اتخذت الحكومة اللبنانية التي يترأسها فؤاد السنيورة قرارين وصفهما بـ «بالقرارات المظلمة» ويتعلقان بشبكة الاتصالات التابعة لحزب الله وبتنحية العميد وفيق شقير الضابط في أمن المطار.

على أرض الواقع وبكل تأكيد، إن التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها الساحة اللبنانية في الأيام الأخيرة تؤكد أن هناك معادلة سياسية جديدة تختلف تماماً عن تلك التي سبقت هذه التطورات.

ما حدث قد حدث وعقارب الساعة لا تعود إلى الوراء والواقع الجديد في لبنان طبقاً لموازين القوى الجديدة لن يسمح بالعودة إلى الأوضاع التي سادت خلال السنوات الثلاث الماضية، وأن المرحلة الجديدة في العاصمة بيروت وباقي أرجاء لبنان لها طبيعتها ودلالتها وتداعياتها ليس على المشهد السياسي اللبناني وحسب بل على المشهد السياسي الإقليمي أيضاً، على أقل تقدير.

وبالرغم من أن هذين القرارين كانا السبب المباشر للانفجار السياسي والأمني في لبنان إلا أن الأسباب الموضوعية سياسية وغير سياسية كانت متوفرة منذ فترة طويلة وقد حذر منها العديد من المحللين والمراقبين السياسيين في لبنان وخارجه. لقد شهدت العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية تدهوراً كبيراً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير 2005 وانقسمت الأطراف اللبنانية فيما بينها على أسس سياسية وبين مشروعين مدعومين من قبل محورين إقليميين ودوليين.

مشروع ولد مباشرة بعد اغتيال الرئيس الحريري ورفع شعار الاستقلال والسيادة والحرية مقابل مشروع آخر طالب باستمرار المقاومة اللبنانية حتى يتم تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية وبناء الدولة. المشروع الأول طالب المقاومة بتسليم أسلحتها إلى الجيش اللبناني والمشروع الثاني رفض هذا الأمر.

وانقسم اللبنانيون أفقياً بين هذين المشروعين واختلفت الأولويات والبرامج والتحالفات، وطبعاً النوايا، وكان واضحاً أن التصادم السياسي سيتحول إلى تصادم من نوع آخر، سيما وأن المشروعين تمتعا بدعم خارجي، وهذا ما حصل وتم حتى الآن. لقد جرت محاولات عديدة لتثبيت لغة الحوار بين الأطراف اللبنانية وفشلت، تارة بسبب المواقف اللبنانية نفسها وتارة أخرى بسبب المواقف الإقليمية والدولية، وعليه كانت الأطراف اللبنانية صاحبة المشروعين السياسيين تعمل على إدارة الصراع السياسي المحتدم وليس على قاعدة التوصل إلى حل وسط يرضي الجميع وصولاً إلى انتخابات تشريعية.

الآن وبعد أن حدثت كل هذه التطورات على أرض الواقع وحسم أصحاب المشروع المقاوم في لبنان العديد من الملفات السياسية لم يعد أمام أصحاب المشروع الأول إلا أن يتقبلوا الواقع الجديد ويتعاطوا معه بحنكة وفطنة عاليتين وأن يدركوا أن ما قبل هذه المرحلة يختلف تماماً مع ما بعدها، لا سيما وأن شرارة الانفجار الكبير والمتوقع أتت بسبب قراراته السياسية الأخيرة التي اعتبرت من الطرف الآخر على أنها إعلان حرب، وهذا ما أعلنه حسن نصرالله وأيده بذلك حلفاؤه اللبنانيون. لقد اعترف الطرف الأول أنه لم يكن يدرك أن مثل هذه القرارات ستضر بأمن وسلامة المقاومة وقيادتها وأنها ستقود البلاد إلى الأوضاع الموجودة حالياً، وهذا ما أعلنه رئيس الوزراء فؤاد السنيورة. ولكن هذا الطرف السياسي الذي اعترف بخطئه لم يتراجع عن الخطأ قبل الانفجار الكبير أو مباشرة بعده.

في بلاد الحريات والديمقراطية تقدم الحكومة ورئيسها اعتذاراً رسمياً أو تستقيل فوراً عند ارتكاب خطأ جسيم بحق الثوابت الوطنية ولكن الطرف الأول في لبنان الذي ارتكب خطأ خطيراً بحق أحد الثوابت الوطنية عند غالبية الشعب اللبناني، وقد اعترف بهذا رئيس الحكومة اللبنانية، لم يقدم على اتخاذ الخطوة الطبيعية بالتراجع أو الاستقالة كي يمنع التدهور الأمني الخطير الذي شهدته الساحة اللبنانية.

ألم يستقل الرئيس عمر كرامي قبل ثلاث سنوات عندما استجاب لنداء بهية الحريري ونداء تلك المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان، علماً أنه لم يكن أحد يسمع بشعارات الحرية والديمقراطية من قبل حكومة كرامي. لذلك السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سقطت الشعارات الكبيرة أمام إغراءات السلطة والحكم؟ إن ما فعله الطرف الثاني باستخدامه القوة العسكرية لحسم بعض الملفات السياسية وخاصة فيما يتعلق بالقرارين الأخيرين هو أمر خطير على الأوضاع السياسية في لبنان، الأمر الذي يعزز من ضرورة تقديم الاعتذار والتراجع أو الاستقالة من قبل الطرف الأول منعاً للفتنة والاقتتال، لا سيما وأنها المسبب الرئيسي لتصرف الطرف الثاني.

إن المرحلة الجديدة التي تشكلت قبل أيام قليلة في لبنان بسبب التطورات الأخيرة الناتجة عن فعل الطرف الأول وردة فعل الطرف الثاني تؤهل لمناخ إيجابي يسمح لبناء مؤسسات الدولة الحديثة ورفض التدخل الأجنبي وحماية المقاومة وبناء علاقات طبيعية مع العالم العربي وخاصة دول الجوار.

كاتب وباحث سياسي

isam99@hotmail.com