المشهد في الأراضي الفلسطينية، في الذكرى الستين للنكبة؛ مفتوح على المجهول؛ كما لم يكن من قبل. الوضع مكشوف ومستباح، أكثر من أي وقت مضى. عوامل المناعة فيه، مصابة بأعطاب عميقة. الهجمة ضدّه، في ذروة شراستها. هو محاصر من كافة الجهات؛ والانسداد فيه سيّد الموقف.
كل الكلام والوعود عن احتمالات التسوية، قبل نهاية العام الجاري، لا يقابلها على الأرض؛ سوى ما يدحضها. العدوانية الإسرائيلية منفلتة، من كل الجوانب. آلتها العسكرية لا تتوقف عملياتها، سواء بالتوغل والقصف أو بالاغتيالات، في الضفة وفي غزة بخاصة. حصارها المتواصل للقطاع، على حاله وأكثر. تمرّر له الإمدادات بالقطّارة.
مشروع التهدئة المصري، وضعت في وجهه، كالعادة، شروطها التعجيزية. هي تنشد التأزيم وليس الهدوء. الإدارة الأميركية، المغادرة للبيت الأبيض، بعد حوالي نصف سنة، من البداية لم تكن عازمة على دفع المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، باتجاه التوصل إلى تسوية.
تركت الحبل على غاربه لإسرائيل، تحت ذريعة أنها لا تقبل فرض أي شيء على هذه الأخيرة؛ وأن الاتفاق بخصوص القضايا النهائية، «يعود للطرفين»، الإسرائيلي والفلسطيني، فقط. هي تعرف تماماً أن مثل هذا التعفف المزعوم، لا ينطلي على أحد. المسألة، ليست عملية فرض. هي عملية موقف.
لو ارتضت، مثلاً، مواجهة موضوع المستوطنات بالإدانة؛ لكانت شكلت بذلك حالة ضاغطة، لا تقوى تل أبيب على تجاهلها. وكذلك الحال بالنسبة لأمور أخرى، مثل الحواجز والحصار والاغتيالات وغيرها. ثم إذا كانت الإدارة جادة فعلاً ومصمّمة على ترجمة «فكرة الدولتين» التي طرحتها من بداية عهدها؛ فما الذي يمنع من إرغام إسرائيل على الالتزام بشروط ومتطلبات السلام؟
لا جدال في قدرة واشنطن على ذلك، لو أرادت. لكن الرئيس بوش، ما كان من الأساس ولم يعد الآن، في جعبته، وهو على عتبة التقاعد، سوى حضوره اليوم إلى إسرائيل، لمشاركتها احتفالات الذكرى الستين لقيامها. وكأنه تعبير تكريمي لها.
أو ربما رسالة شكر على مآثرها الاحتلالية؛ منذ حلول النكبة وإلى اليوم. والمفارقة الصارخة هي انه بالرغم من كل هذا الظلم والحيف والإمعان في مصادرة حقوق الشعب الفلسطيني، بل في محاولات إلغائه، يحصل الانشطار في الصف الفلسطيني ليزيد الطين بلّة.
بل ليقدّم لإسرائيل معادلة طالما حلمت بها. الوضع الفلسطيني غارق في الانسداد والسواد. الانقضاض عليه وعلى قضيته، في ذروته؛ وفي ظلّ حالة دولية، إما عاجزة وإما متفرجة. إذا كان لا يقوى على تغيير هذه المعادلة، الآن؛ فعلى الأقل هو مطالب بترميم بيته الداخلي؛ لئلا يتمادى التفتيت وتصير الستين سنة مفتوحة على الزمن المديد.
