الساعة دقت لمراجعة الحسابات والمواقف. لا فقط بالنسبة الى اللاعبين الصغار في الداخل بل أيضاً بالنسبة الى اللاعبين الكبار في الخارج. فالدور الذي كان منذ البدء أكبر من الوطن الصغير صار مدمراً له ومخيفاً لسواه.
واللجنة الوزارية الآتية من خلاف في المجلس الوزاري العربي ستحط في بيرت مختلفة عن تلك التي شهدها عمرو موسى في جولاته، إذ كانت الفتنة المذهبية كابوساً فصارت واقعاً. بيروت مستباحة بالسلاح ومجروحة بما هو أقسى من السلاح.
وأقل ما في لبنان على الطريق الى الحوار سجال حاد: حزب الله يضع قرارات الحكومة في إطار (مؤامرة) كبيرة على المقاومة وسلاحها بـ (أمر عمليات أميركي)والأكثرية ترى استخدام حزب الله لسلاحه في الداخل (انقلاباً على الدولة والنظام والعيش المشترك) بـ (أمر عمليات إيراني).
والناس القلقة على المصير والخائفة على الأمن والحرية والرغيف تسمع أحاديث الرئيس بوش الداعمة لحكومة الرئيس السنيورة ورفض الرئيس أحمدي نجاد الرد على تسليط الرياض الأضواء على الدور الايراني وتحذيرها من رد فعل عربي إسلامي، فتختصر الموقف بالقول: الكلام لأميركا والفعل لإيران.
فالقوة العظمى محل سخرية، هي تتدخل وتتحدث عن الدعم فتحرج أصدقاءها من دون أن تخيف خصومها. والقوة الإقليمية الصاعدة شديدة التأثير، وهي تتحرك على الأرض وتقول إنها لا تتدخل ذلك أننا ننتقل بالفعل من مرحلة الى أخرى.
الأولى هي مرحلة الأزمة السياسية التي لها (وظيفة) في الصراع الداخلي على السلطة والصراع الإقليمي والدولي على لبنان والشرق الأوسط وهي وظيفة خدمت مصالح أطراف عدة في الداخل والخارج مصالح الذين يرتاحون الى غياب الرئاسة والمؤسسات لأسباب مختلفة بينها الحؤول دون قيام الدولة. ومصالح الذين يخوضون حروبهم بالوكالة ويمارسون تصفية الحسابات على (الساحة) اللبنانية.
والثانية هي مرحلة ادارة الأزمة وأوهام حسمها بالعنف الذي أوقع الفتنة المذهبية وهي فتنة مرشحة لامتداد الحرائق الى المنطقة كلها فضلاً عن أنها تضرب الاعتدال وتفتح البلد أمام تعاظم التطرف واندفاع التيارات المتشددة الى قيادة العنف بما ينهي لبنان التعددي والعيش المشترك.
وبكلام آخر، فإن (وظيفة الأزمة التي تخدم مصالح داخلية وخارجية تتحول بالعنف (وظيفة) مؤذية لمعظم هذه المصالح.
ومن هنا تصاعد القلق العربي والدولي حيال ما يدور في لبنان بسبب انعكاساته على المنطقة وهذا ما يستدعي مراجعة الحسابات والمواقف لإخراج لبنان من المأزق بحيث تصبح (وظيفة) التسوية مريحة للآخرين.
فهل تنجح اللجنة الوزارية العربية في مهمتها؟ الخطر يبدو، حتى إشعار آخر، أكبر من الفرصة.
(رفيق خوري رئيس تحرير الانوار ، الكاتب والمعلق الابرز خلال ربع قرن)
