حشد غربي غير مسبوق، يتزعمه الرئيس الأميركي جورج بوش يشارك في الذكرى الستين لاغتصاب فلسطين.

الدول نفسها التي أعملت سكين التقسيم في المشرق العربي، واستعمرت الدول العربية قاطبة دون استثناء، هذه الدول، هي التي تسارع بدوافع ذاتية تحملها جيناتها الاستعمارية، وبدعوة أميركية أشبه ما تكون بأوامر السيد للمرؤوس، للمشاركة في احتفالات إسرائيل بذكرى ولادة هذا المخلوق الشاذ والمشوه، الذي تحوّل إلى بارجة حربية ثابتة ومتقدمة لقوى الاستعمار الغربي.

الدول نفسها ممثلة اليوم في هذا الحشد: رئيس وزراء بريطانيا العظمى ليذكرنا، نحن العرب ـ والفلسطينيين في المقدمة ـ بوعد بلفور اللعين في 2/11/1917. والرئيس الأميركي يذكرنا بأن الولايات المتحدة هي صاحبة قرار التقسيم رقم 181 في 29/11/1947، والرئيس الفرنسي لينعش ذاكرتنا بأن بلاده وبريطانيا، خانتا العرب، الذين وثقوا بوعودهما، وطعنتا أحلامهم ـ بالحرية والاستقلال ـ في الصميم، عبر اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916. والمستشارة الألمانية، التي تتباكى على محرقة مشكوك في حقيقتها وبعدد ضحاياها، وتنسى المحرقة الراهنة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. ‏

الجوقة التي أقرت مؤامرة سايكس ـ بيكو في مؤتمر سان ريمو عام 1920 وأطلقت ما عرف بالانتداب على الدول العربية، هي نفسها، التي جاءت إلى إسرائيل لتباهي بما أنجزته، ولتؤكد أن العقلية الاستعمارية القديمة لاتزال تتحكم بالمحافظين الجدد والاستعماريين الجدد في الغرب الذي يدعي الرقي والتحضر والحرص على الحريات واحترام الدول وسيادتها وخيارات شعوبها. ‏

جاء ممثلو الدول الاستعمارية نفسها إلى إسرائيل، لتأكيد استمرارهم في رعاية هذا الفطر السام الذي زرعوه في البستان العربي، ليخربه، ويقضي عليه، وينشر الفوضى والإرهاب والإجرام في المنطقة العربية. ‏

الذين رسموا الخرائط، واستعمروا المشرق العربي، واخترعوا الانتداب، وسرقوا أرضاً عربية كانت وطناً للفلسطينيين، وقدموها هدية للأفّاقين وشذّاذ الآفاق والقتلة، هؤلاء هم اليوم الذين يتبنون من جديد، ودون خجل، كل جرائمهم السابقة والحالية واللاحقة، بدءا من سايكس ـ بيكو، مروراً بوعد بلفور، وقرار التقسيم، وصولاً إلى حصار غزة، وذبح الشعب الفلسطيني، واغتيال الطفولة في مصر وسورية ولبنان و..فلسطين، وغيرها من الأرض العربية.

ولم يكتف رعاة الإرهاب، وتجار الحروب والدماء، ومؤسسو الاستعمار، بجريمة سرقة فلسطين، وتحويل هذه الأرض إلى قاعدة عسكرية، ومخزن كبير للأسلحة الفتاكة، لم يكتفوا بذلك، ولم يقتنعوا بما ألحقوه من أذى وضرر وخسائر بشرية ومادية بالدول التي استعمروها ذات يوم، بل ها هم يعودون إلى المنطقة ويحتلون بلداً عربياً بقوة السلاح، تماماً كما فعلوا في السابق، وينهبون ثرواته، ويعملون على تقسيمه على طريقة سايكس ـ بيكو القديمة، ويحاولون زرع الفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية فيه. ‏

هاهم يزعمون أنهم يكافحون الإرهاب، وهم الذين خلقوه وسلحوه في أفغانستان، عندما كان الإرهابيون «مجاهدين» حسب توصيفاتهم، قبل أن يتحولوا إلى أهداف للذين صنعوهم، وها هم يرعون الإرهاب الإسرائيلي في كل الساحات: اللبنانية والفلسطينية والسورية. فيجب ألاّ ننسى أن جورج بوش تبنى القرصنة الإسرائيلية ضد سورية. ‏

يجتمعون اليوم في إسرائيل، لمباركتها وتأكيد الدعم غير المحدود لها ولإرهابها ومجازرها، دون أن يلتفت أي منهم إلى معاناة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ ستين عاماً. ‏

زرعوا الفطر السام، وجاؤوا اليوم ليعلنوا رعايتهم الأبدية له، دون أن يتعظوا بتجارب التاريخ القديم والحديث، وأهمها تجربة الفرنجة (الصليبيين) التي دامت مئتي سنة، لكن أصحاب الأرض استطاعوا اقتلاع ذلك الفطر السام من أرضهم، وأصحاب الحقوق قادرون، إن لم يكن اليوم، فغداً، على اقتلاع الفطر السام، وستة عقود لا تعني شيئاً في حسابات التاريخ، ولا بد من أن يأتي ذلك اليوم الذي لا ريب فيه.

وهذا ما يفسر حالة الرعب التي يعيشها الصهاينة، ومن يرعاهم، ويكلف نفسه عناء السفر الطويل لإقناع العالم بأن ما جرى منذ ستين عاماً، بل منذ اتفاقية سايكس ـ بيكو، أصبح أمراً واقعاً ولا خوف على هذا الفطر السام.. وهو ليس كذلك أبداً، والأيام ستكون الحكم. ‏

عصام داري