الشرق الأوسط مرة أخرى على مرمى حجر من حريق كبير آخر ساحته لبنان وفلسطين وربما سوريا وإيران.. فضلا عن العراق المشتعل.. والشيء المؤكد أن الكثير من الأخطاء والحسابات القاصرة ارتكبتها أطراف اللعبة الدائرة الآن على رقعة الشرق الأوسط, إلا أن أخطاء الإدارة الأمريكية برئاسة جورج بوش لاتزال الأكبر.. فقد أشعل قرار بوش المغامر بغزو العراق وتجاهل القضية الفلسطينية سلسلة من الكوارث أشبه ما تكون بالزلزال, ولا تزال توابع زلزال العراق سواء في منطقة الخليج أو الشرق الأوسط تتوالى.
وقبل زيارته الأخيرة للمنطقة, فإن بوش يبعث برسالة كان من الأجدر أن تدركها إدارته طوال السنوات الثماني الماضية, فالرئيس الأمريكي يقول: إنني أعتقد بصدق أن على دول العالم أن تولي منطقة الشرق الأوسط الكثير من الاهتمام لكي يتمتع بالاستقرار والرفاهية والسلام..
وهذه رسالة متأخرة جدا, ولا تحمل الكثير من المصداقية, فقد كان بمقدور بوش أن يفعل الكثير, وأن يستغل التأييد الكبير الذي حظيت به الولايات المتحدة عقب أحداث 11 سبتمبر, لكي يدفع بحل المشكلة المزمنة والخاصة بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي, حتى يدفع المنطقة باتجاه الاستقرار.
واختار بوش وتيار المحافظين الجدد الطريق الخطأ لنشر الاستقرار, فبدلا من إقناع إسرائيل بالسلام وقبول المبادرة العربية للتعايش معا في وئام وفقا للتسوية التاريخية.. فإن بوش أغرق المنطقة في مستنقع العراق, وأطلق النزاعات الطائفية, ولم يكن غريبا أن تستحوذ إيران على هذه الفرصة كي تعزز نفوذها في العراق, وأن تتمدد في منطقة الخليج في ظل غياب عوائد السلام وفوائد الاعتدال لبقية المنطقة التي راهنت على السلام بوصفه خيارا استراتيجيا.
وبدلا من الحوار والتفاوض وحثّ إسرائيل على إعادة الأرض العربية سواء في مزارع شبعا اللبنانية أو الجولان السورية أو الأراضي الفلسطينية, فإن إدارة بوش رفضت وبشدة منطق الحوار, واختارت التلويح بالقوة التي لم تحقق لها أي تقدم في أي مسار, بل المزيد من الانتكاسات, والأخطر أنها تركت دول الاعتدال تعالج النتائج الكارثية للسياسة الأمريكية.
ولم يتبق سوى أمل مراوغ يتعلق باتفاق جديد بين الإسرائيليين والفلسطينيين يقول بوش إنه يأمل في توقيعه قبل مغادرته البيت الأبيض في يناير2009, ويؤكد بوش أن خطة السلام أو هذا الاتفاق الكامل للسلام, ليست خطة أولمرت بل هي خطة الحكومة الإسرائيلية, وأن تسيبي ليفني وزيرة الخارجية تتولى عملية التفاوض, وأن إيهود باراك مشارك في العملية.
وقد يكون هذا صحيحا من الناحية النظرية, إلا أن فضيحة الرشوة المتورط فيها إيهود أولمرت, لا تهدد المستقبل السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بمفرده, بل إنها تهدد بتقويض الائتلاف الحاكم, والاندفاع إلى انتخابات برلمانية تأتي بالليكود وبنيامين نيتانياهو رئيسا للحكومة الجديدة.. ومرة أخرى يجد الشرق الأوسط نفسه في المربع رقم واحد, حيث لا حكومة إسرائيلية قوية, ولا شخصية قادرة على تسويق السلام, فضلا عن إدارة أمريكية ترحل وأخرى قادمة لا أحد يعلم عن مشروعها الجديد للتسوية.
على أي حال.. فإن الخطة الجديدة التي يأمل بوش في التوصل إليها لأسباب تتعلق بالانتخابات الأمريكية, وبإرثه الشخصي ستبقي مثل كثير من التسويات معلقة في الهواء.. لأنها لم تجد أي إرادة حقيقية لفرضها على أرض الواقع..
وإذا كانت الشعوب العربية عليها أن تتعايش مع الحصاد المر للسياسات الأمريكية البائسة, وإذا كانت التهدئة بين إسرائيل وحماس خطوة مهمة في طريق طويل..
إذا كان كل ذلك صحيحا, فإن التاريخ لن ينظر بإيجابية تجاه إرث بوش في الشرق الأوسط تحديدا, كما أن اللاعبين الكبار بالمنطقة عليهم أن يبذلوا جهودا كبيرة من أجل استقرار المنطقة, واستعادتها من طريق الفوضى الخلاقة التي طالما بشرت بها إدارة بوش ولم تخلف سوى الدمار والخراب في ربوع المنطقة.
